أوباما.. ماذا يريد من الفلسطينيين وماذا يريدون منه؟

netpear
netpear

general opinion

ربما تدرك الإدارة الأمريكية أو لا تدرك لماذا لا يحتفي الفلسطينيون بزيارة رئيس البيت الأبيض إلى رام الله أو إلى بيت لحم من أجل اللقاء بالرئيس الفلسطيني في الواحد والعشرين من الشهر الجاري، بعد أن يكون قد التقى بالرئيس الإسرائيلي نيتنياهو وحكومته الجديدة، وربما كذلك بعد أن يزور المسجد الأقصى واضعا القلنسوة اليهودية على رأسه، كما هو مبرمج لزيارته حتى هذه اللحظة بالاتفاق مع الحكومة الصهيونية.

وقبل تناول ماذا يريد الرئيس أوباما من هذه الزيارة الخاطفة للفلسطينيين، وماذا تريد القيادة الفلسطينية منها أيضا، نقول إن هناك ما يكفي من العوامل والأسباب لعدم الترحيب الشعبي بها، خلاصتها: المعاداة التاريخية من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة للحد الأدنى من حقوق شعب فلسطين وتوفيرها للغطاء السياسي لكافة المجازر التي اتركبت بحق المواطنين الفلسطينيين بل وبحق المواطنين العرب في كافة المناطق المحيطة بفلسطين، والانحياز “المفرط’ المبالغ فيه لسياسات وممارسات دولة الاحتلال..فإذا أشرنا إلى مواقف هذه الإدارة في مرحلة “التسوية السياسية’ التي تديرها منفردة وتتحكم بها منذ أوسلو حتى هذه اللحظة وليس ما قبله، وعلى وجه التحديد في فترة الرؤساء الثلاثة: كلينتون، بوش الابن وأوباما.. أي على مدار العشرين سنة الأخيرة، وهم من يترجم الرؤية السياسية الأمنية الاقتصادية للحزبين، الديمقراطي والجمهوري، الوحيدين اللذين يتداولان على سدّة البيت الأبيض، لوجدنا التطابق في مواقفهم تجاه معاداة حقوق شعبنا بل يتبارزان ويتنافسان في الكثير من المحطات على من يوفر الدعم الأكثر لإسرائيل في كافة المجالات على حساب حقوق ومصالح شعبنا الفلسطيني والعربي، وفي هذا السياق نلاحظ أن كلا الرئيسين: بوش وأوباما قد أعادا إنتاج رؤية ومقترحات كلينتون التي سبق وأن طرحها يوم 23/12/2000 قبل شهر من رحيله عن البيت الأبيض، على الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي التي شكلت وجهة نظر إدارته المتناغمة تماما مع مواقف القيادة الصهيونية تجاه كافة عناوين “التسوية’ بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحدود “الدولة’، القدس، الأمن، المستوطنات… وصولا للعنوان الذي جرت العادة أن يفضله البيت الأبيض كخاتمة تلخيصا لما يريده: بالتأكيد على إنهاء النزاع.. أي محاولة تفكيك المشكلة الاستراتيجية للدولة الصهيونية في المنطقة عبر التطبيع الشامل، وكانت آخر كلمات كلينتون في ذلك اللقاء: هذه هي أفكاري إذا لم تقبل فإنها لن تزول عن الطاولة فحسب بل وإنما تذهب معي أيضا عندما أترك منصبي’ لكن أفكاره لم تذهب معه لأنها أفكار البيت الأبيض بل وقد ورثها خليفته الرئيس بوش ثم أوباما، ولأنها أيضا تصون مصالح إسرائيل على حساب مصالح شعوبنا، وهذا ما أكده بوش مرة أخرى، وأخرى في زيارته لرام الله أواخر يناير 2008 قبل سنة من انتهاء ولايته الثانية، ولم يبعد عنها الرئيس أوباما في خطابه الشهير بجامعة القاهرة يوم 4/6/2009 بعد خمسة أشهر من ولايته الأولى.

كانت أولى التسريبات الإعلامية من البيت الأبيض حول زيارة أوباما الجديدة تشير إلى إنه لا يحمل أية مبادرات بل يريد الاستماع للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، أي بعد عشرين عاما من رعاية الإدارة الأمريكية للمفاوضات الثنائية، ورفضها دخول الأمم المتحدة على الخط أو أية جهة ثانية، وبعد كل تلك اللقاءات الثلاثية والرباعية والثنائية، يريد الآن البيت الأبيض أن يستمع للآراء، حتى أن هذه النبرة التسخيفية تتضمن المساواة بين الضحية والجلاد كاستمرارية لمنهج تبني المواقف الإسرائيلية، بعد ذلك عادت التصريحات التمهيدية إلى وضوحها التقليدي لكن بذات الوجهة، حيث اعتبر البيت الأبيض هذه الزيارة فرصة من أجل تنسيق المواقف الأمريكية الإسرائيلية بشأن الملفات المشتركة والتأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ثم توالت الأحاديث الصادرة عن الرئيس أوباما ومنها قوله: إن الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني يتحملان المسؤولية عن قضية استئناف المفاوضات السلمية بينهما وتكرار التزام إدارته أمنيا وسياسيا تجاه إسرائيل، وحمايتها ودعمها “هذا الالتزام صامد كالصخر’، بالمقابل قد شدد “على التزام السلطة الفلسطينية بالمفاوضات وتقديمها للتنازلات’. وهذا ما يريده أوباما من السلطة الفلسطينية. والمقصود بتقديم التنازلات أن تشمل حق العودة، القدس، الاستيطان، الحدود… بالتالي العودة للمفاوضات على قاعدة الشروط الإسرائيلية واستمرار البناء الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية.. وهو الذي تحدث في خطاب سابق “أن تستوعب الدولة الفلسطينية الجديدة “القابلة للحياة’ أعدادا يتفق عليها من اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة صندوق مالي دولي لتوطين هؤلاء في مناطق الأغوار ونابلس ورام الله “واتجاه القدس “ترتيبات خاصة بمشاركة دولية بشأن الأماكن المقدسة في القدس والخليل’ والاعتراف بيهودية دولة الاحتلال.

إن الإدارة الأمريكية باتت تستخدم عنوان الدولة الفلسطينية التي جرى إفراغها من أية مضامين وطنية، على طريقة أسلوب العصاة والجزرة، ولن نكون أمام دولة طالما بقينا نتحرك في الدائرة الأمريكية التي تتعامل مع العنوان لتمرير الأهداف الإسرائيلية. كما يبدو فإن هذه الزيارة للرئيس أوباما لن تكون هدفا أو مصلحة فلسطينية إلأ إذا طرأ شيء جديد خارج طبيعة الأشياء. حتى موضوع المساعدات الاقتصادية التي كانت تقدم للسلطة الوطنية تم تجميدها بعد أن ربطت بالشروط السياسية، وبالذات بعد أن تم رفض الطلب الأمريكي بعدم ذهاب الفلسطينيين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل الحصول على العضوية المراقبة لدولة فلسطين والجهود السياسية التي بذلت في هذا المضمار، ولا زالت الإدارة الأمريكية ترفض الاعتراف بقرار الجمعية العامة.

بالتأكيد هناك ملفات أساسية ورئيسية أخرى يريد الرئيس أوباما بحثها مع شريكه الإسرائيلي ومع أطراف أخرى في المنطقة العربية في مقدمتها: الملف الإيراني بكل ثقله، والملف السوري بكل تطوراته المتلاحقة سياسيا وميدانيا وإنسانيا.

ماذا تريد القيادة الفلسطينية من هذه الزيارة: كما أسلفنا القول فإن الموقف الأمريكي إزاء كل القضايا الأساسية المتصلة بالملف الفلسطيني والحل النهائي.. متناغم تماما أو متطابق مع الموقف الإسرائيلي، وبالتالي فإن هامش الحركة أمام القيادة الفلسطينية يصبح محدودا، عدا عن الجانب العام ذات الطابع الاعتباري المتصل بهذه الزيارة الأولى لرئيس الدولة الأمريكية، ومن الممكن أن يعيد أوباما تكرار الجمل والمفردات التي تدغدغ المشاعر الفلسطينية والعربية حول الاستيطان، والدولة الفلسطينية والقدس.. دون أية مردودات عملية إيجايبة، أيضا سوف يجري التداول في موضوع أسرى الحرية ومستوى التعسف الذي يعيشونه في المعتقلات الصهيونية، والطلب من أوباما أن يسعى للإفراج عن أكبر عدد ممكن.

بالرغم من قوة عدالة القضية الوطنية التحررية لشعبنا المدعومة من قبل الوضع العربي وقواه الحية، ومن أنصار الحرية والعدالة أينما كانوا، إلا أن هناك عوامل لا زالت تساهم في إضعاف الموقف الفلسطيني ومنها: الانقسام الداخلي بكل تداعياته في الاتجاهات المختلفة، والتخلي عن عامل المقاومة والاعتماد على التفاوض لانتزاع الحقوق، وهي تجربة غير مسبوقة على صعيد الشعوب التي انتزعت استقلالها التام، ثم استمرار المراهنة المطلقة على الإدارة الأمريكية لإيجاد “الحل العادل’. بطبيعة الحال هناك عوامل وتطورات محلية وإقليمية قد دفعت الأمور بهذه الوجهة، إلأ أن نتيجتها قد ألحقت وسوف تلحق الضرر بالأهداف الوطنية.

إن أية خيارات قد تتخذ في إطار هذه اللوحة ومشاهدها سوف يكون لها ثمن، لكن الخيار الأكثر جدوى الذي أفرزته التجربة المريرة هو الخيار الأصعب، لكنه الطريق الأقرب نحو استرداد الحد الأدنى من حقوقنا التاريخية، إنه طريق المصالحة الوطنية، وترتيب البيت الفلسطيني، وطي صفحة الانقسام، مما يساعد على اتخاذ الموقف الوطني الذي يتكئ على برنامج الإجماع، إنه خيار تجميع عوامل النهوض الوطني وتعزيز مفاعيل القضية العادلة والاستفادة من دروس حراك الشارع العربي، دعم خيار المقاومة بكل أشكالها، التي أقرتها لوائح الأمم المتحدة كحق للشعوب المستعمرة، بعد ذلك وقبله، إن القضية الفلسطينية بقواها وآثارها بعدالتها وبصمود شعبها، وسط التضحيات والصعوبات وتمسكه بحقوقه دون تفريط، والطريق المعبد بدماء شهداء الحرية الذي شقت مجراه فصائل العمل الوطني الفلسطيني بكل تياراتها الكفاحية والسياسية… كل هذا وغيره هو من أحضر الرئيس أوباما إلى رام الله وبيت لحم كما أحضر من قبله جورج بوش الابن.

المصدر: الشروق الجزائرية

Comments are closed.