أوروبا عمياء عن رؤية الصورة كاملة

بقلم الكاتب كمال أوزتورك

كمال أوزتورك
كمال أوزتورك

أعتقد أني لن أنسى إطلاقا طوال حياتي صورة مسيرة باريس المناهضة للإرهاب، التي تقدمها أهم زعماء العالم، وخلفهم حشد كبير من الناس، احتجاجاً على مقتل رسامي كاريكاتور، وتنديداً بالإرهاب.

إلا أن ما شهدناه لم يعكس الصورة الكاملة في الواقع. إذا نظرتم من زاوية أوسع، ودققتم في التفاصيل ستشاهدون، أشياء أخرى. كل ما حل بنا كان بسبب هؤلاء الذين لا يرون الصورة كاملة.

واعتبر أن عدم رؤية الصورة الكاملة، من أمراض الحداثة، فمفهوم الطب الحديث يدمر الكلية، فيما هو يعالج المعدة، ويلحق الضرر بالكبد عندما يداوي القلب، وهذا نتيجة مفهوم حداثي غير سوي، لا يرى الإنسان كلا متكاملا، لذلك نرى البحث عن الطب البديل في الغرب أكثر من الشرق، اليوم.

فالغرب ينظر للحياة من هذا المنظور، حيث يخترع الاسمنت المسلح لبناء أبنية أكثر قوة، ومن ثم ينشىء منظمات تدافع عن البيئة، بسبب الضرر الذي لحق بالطبيعة، وينتج المكيفات، ويثقب طبقة الأوزون بالغازات.

الانسان الغربي أناني جشع

خلقت الحداثة نماذج أنانية جشعة، لا ترى الصورة الكاملة للبشرية، والعالم يئنّ الآن، في ظل هيمنة الدول والاقتصادات الكبرى، والجيوش، ووسائل الإعلام التي تتحكم بها هذه النماذج  من البشر.

إن الصورة التي شاهدناها في باريس، مسيرة الغرب الفاقد لفنون العيش المشترك مع البشرية، التي خرجت من أجل البحث عن الذنب في غير مكانه.

المذنبون المطلوبون في تلك الصورة

في الحقيقة إن المذنبين الذين يبحثون عنهم، يبرزون في تفاصيل تلك الصورة. فلم تكد تبق دولة إلا قُصفت في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولم يبق نظام لم يتعرض لانقلاب، وأراض لم ترق فيها دماء الأبرياء، وأبناء أمّة لم يتعرضوا للنفي، الذين قاموا بكل هذه الممارسات كانوا بين الذين يسيرون جنبا إلى جنب في تلك المسيرة.

من منا يجرؤ على إحصاء أعداد الأفارقة الذين استعبدوا بسبب جشع الغرب؟ لو تمكنوا من النظر إلى تلك الصورة من زاوية أوسع قليلا، لشاهدوا كيف أن أحفاد هؤلاء الأفارقة ما زالوا يعملون كعمال نظافة، أو في الإنشاءات، أو رجال حماية يتابعون المسيرة في تلك الساحة.

لم يعد أحد يحصي، ضحايا المسلمين الذين قتلتهم الدول الغربية الجشعة. فالمجازر التي ارتكبتها فرنسا بمفردها في تونس والمغرب والجزائر، مآساة عظيمة بحد ذاتها، ماذا تعتقدون أنه حل بأطفال مئات آلاف المسلمين المغدورين، هل اعتقدتم أن ذلك الألم انتهى في يوم واحد؟.

من  خرج في مسيرة من أجل أطفال غزة؟

لقد سار الرئيس الفرنسي أولاند،  يدا بيد مع نتنياهو، ضد الإرهاب في ساحات باريس، بينما الألم يعتصر قلوب الأمهات الفلسطينيات، على 578 طفلا قتلهم جنود اسرائيليون، في غضون 51 يوما، قبل 6 أشهر فقط.

 من  خرج في مسيرة في أوروبا،  من أجل ألفين و145 فلسطيني، قتلوا وهم محاصرون، بينهم 17 صحفيا، ومن خرج من أجل الأطفال؟ دعك من الخروج في مسيرة، فالغرب الذي دعم اسرائيل بحجة حقها في الدفاع عن النفس، في ذلك الحين، لماذا لم ير الصورة الكاملة لحق الحياة للفلسطيني؟

الولايات المتحدة التي وعدت العراق بجلب الديمقراطية، تسببت في مقتل مليون عراقي وتقسيم البلاد، وقصفت باكستان وأفغانستان بذريعة القضاء على القاعدة، وساهمت في بروز تنظيمي “حركة الشباب’، و “بوكو حرام’.

إن العقلية التي فضلت الابقاء على الأسد في السلطة بسوريا، والمالكي في العراق، بحجة الحيلولة دون وصول المتطرفين، خلقت داعش، والنصرة.

هم أنفسهم من دعموا السيسي الذي قام بانقلاب على الديمقراطية في مصر، متسبباً بمقتل الآلاف.

لقد تعرضت أكثر القيم الاسلامية قدسية، للاساءة في أوروبا، بشكل يومي تقريبا، سيما في ألمانيا، حيث أضرمت النيران في المساجد، وقتل أناس، وأُهينوا، وانتشرت ظاهرة الاسلاموفوبيا على نطاق أوسع، دون أن يكترث لذلك أحد.  لم يفكروا أبدا بتداعيات كل هذا، في أي وقت، وأصابوا الانسانية بجلطة قلبية، بحجة معالجة كِليتهم، لقد احترقت أكبادنا، ولم نعد قادرين على التنفس.

لماذا ينخرط شاب في منظمة إرهابية؟

من الذي يذهب للانضمام لمنظمة إرهابية، وهو يعيش بسعادة ورفاهية على أرضه، ويصبح انتحاريا؟ لماذا ينخرط شاب مسلم، في منظمة  مختلة عقليا، تقطع الرؤوس، لا علاقة لها بالاسلام، فيَقتل ويُقتل؟ عندما تسألون هذه الاسئلة وتجدون لها إجابات، عندها ستشاهدون الصورة كاملة.

الذنب ليس ذنب الغرب حقيقةً

ما كتبته تجاه الغرب، ربما كتبه آلاف الأشخاص من قبل، ولا جدوى بعد اليوم، من مخاطبة الضمير الغربي. فديمقراطية الغرب وضميره وعدالته، ماتت منذ أمد بعيد.. في دمشق التي قتل فيها أطفال بالسلاح الكيميائي، وفي غزة التي استهدف فيها أطفال وهم يلعبون بطائراتهم الورقية، وفي ميدان رابعة الذي شهد مقتل مسالمين.

في الختام أقول، الذنب ليس ذنب الغرب، بل ذنبنا، وأقصد بذلك العالم الإسلامي، وهناك ما سنقوله لأنفسنا غداً.

Comments are closed.