أول نوفمبر.. والدولة “الديمقراطية الاجتماعية”

netpear
netpear

الآن وقد مرت قرابة ستة عقود على ثورة 1 نوفمبر 1954، التي يعترف العالم كله بأنها إحدى أعظم الثورات في التاريخ، يحق لكل جزائري أن يتساءل: هل حققت تلك الثورة العظيمة أهدافها التي قام ثلة من المجاهدين الأفذاذ بمقارعة إحدى أقوى القوى الاستعمارية في العصر الحديث من أجل تحقيقها؟

لا شك أن ثورة 1 نوفمبر قد حققت هدفها الأول وهو دحر الاستعمار الفرنسي وطرده من الجزائر بعد قرابة قرن وثلث قرن من الاحتلال عملت أثناءه فرنسا المستحيلَ لفرْنسة الشعب الجزائري ومسخ هويته، ولكن الأهداف التي وردت في بيان 1 نوفمبر 1954 لم تتحقق إلى حدّ الساعة.

البيان تحدّث عن عدد من الأهداف التي قال إن الثورة قامت لأجل تحقيقها، ولعل أهمها، بعد تحقيق الاستقلال، هو “إقامة دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية’.. ولكن هل تجسّد هذا الهدفُ بعد مرور أكثر من نصف قرن على استعادة الجزائر استقلالها؟

قبل ذلك، مكّنت الثورة الجزائرَ من استعادة سيادتها على أراضيها، ولكنها لم تستعد إلى الآن سيادتها اللغوية؛ إذ لاتزال العربية مهمشة منبوذة في عقر دارها، والفرنسيةُ هي اللغة الرسمية الحقيقية، وإن ورد خلافُ ذلك في الدستور. أليس من العار أن يذهب المستعمِرُ منذ 51 سنة كاملة وتبقى لغتُه مهيمِنة على الدولة، متغلغِلة في المجتمع؟

لنأتي الآن إلى “الدولة الديمقراطية’.. ماذا تحقق منها منذ عام 1989 على الأقل إلى الآن، مادام النظامُ الذي جاء في 1962 باسم “الشرعية الثورية’ قد رفض بشتى الذرائع أي حديث عن الديمقراطية عقب الاستقلال مباشرة؟

لا شيء تحقق من الديمقراطية التي تحدث عنها بيانُ أول نوفمبر إلا الاسم والمظهر، أما الجوهر فلم يتغيَّر، وبقي النظامُ الأحادي الشمولي نفسه يجثم على صدور الجزائريين ويمارس عليهم وصايته الأبدية، ولا شيء يبشّر بقرب تبدّده وزواله.

أما الجانب الاجتماعي، فقد تحقق الكثير دون شك، ولكن العدالة الاجتماعية التي تُرسي دعائم الدول وتضمن استقرار المجتمعات، لا تزال مغيّبة، ويكفي التأمل في كيفية توزيع مناصب العمل والسكنات وقطع الأراضي… وكذا الاختلال في التنمية بين جهات الوطن، وبين المدن والأرياف، لمعرفة لماذا يتفاقم الاحتقانُ الشعبي وتكثر الاحتجاجات وقطع الطرقات، حتى أصبحت تتجاوز العشرة آلاف احتجاج في السنة الواحدة.

أما “القيم الإسلامية’ التي تحدّث عنها بيان أول نوفمبر، ونحسبه يعني بها أخْلَقة الدولة والمجتمع، فقد تجسّد جانبٌ منها، ولكن يكفي أن نشير إلى التفشي غير المسبوق للفساد في دواليب الدولة واستشراء الرشوة والاختلاسات والتزوير ونهب المال العام واستغلال النفوذ للحصول على امتيازات غير مستحقة وكذا الاستئثار بالامتيازات والريوع… للتدليل على مدى ضعف العامل الأخلاقي في تسيير دواليب الدولة، ما انعكس سلباً على المجتمع في صورة تفاقم الرشوة والجريمة وإدمان المخدرات وتفشي الانتحار و’الحرڤة’ وغيرها من الآفات، التي تُعدّ في جانب منها، أساليبَ احتجاجية يلجأ إليها الشباب للتعبير عن رفضه سياسات التفقير والإقصاء والتهميش.

ويعني ذلك، أن الكثير من الجهود تنتظر الجزائريين، في مختلف مواقعهم ومسؤولياتهم، لتجسيد حلم المجاهدين والشهداء في إقامة “دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار القيم الإسلامية’، فلايزال الكثيرُ من الجهد والنضال السلمي ينتظرهم لإنهاء الشمولية وإقامة الديمقراطية الحقيقية التي تجسّد تداول الحكم، فضلاً عن إرساء “القيم الإسلامية’ من خلال إرساء العدالة الاجتماعية وأخْلقة الدولة والمجتمع معاً.

حسين لقرع

عن يومية “الشروق اليومي’ الجزائرية

Comments are closed.