الأحد المقبل.. تونس على موعد مع معركة الحسم في انتخابات الرئاسة بين السبسي والمرزوقي

الدور الثاني من الرئاسيات يعد آخر محطة في الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير 2011، وينتظر أن تشهد تونس بعدها ميلاد “الجمهورية الثانية”

المشرف
المشرف
أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس
أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس

يعيش التونسيون هذا الأسبوع حالة ترقب شديد في انتظار ما ستفرزه جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية الأحد المقبل التي ستحسم السباق على قصر قرطاج الرئاسي بين كلا من: المنصف المرزوقي، الرئيس الحالي والمترشح المستقل، والباجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس (وسط)، الفائز بالانتخابات التشريعية الاخيرة.

وأسفرت نتائج  الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية التي تنافس فيها 27 مرشحا الشهر الماضي عن تأهل السبسي، بحصوله على 39.46 % من الأصوات، والمرزوقي بحصوله على 33.43 %، للدور الثاني، بفارق لا يتجاوز 6 % مما يزيد من حدة المنافسة في الاستحقاق الانتخابي المقبل.

وتعد الانتخابات الرئاسية المرحلة الأخيرة من “الفترة الانتقالية’ التالية لثورة يناير 2011 التي أطاحت بنظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي..وشهدت تلك الفترة انتخابات المجلس التأسيسي في 2011 الذي وضع دستور جديد للبلاد مطلع العام الجاري، ثم انتخابات تشريعية، الشهر الماضي، ينتظر أن تسفر عنها مطلع العام المقبل حكومة ائتلافية منبثقة من أغلبية برلمانية بقيادة حزب نداء تونس.

ومع انتهاء هذه الفترة، تقف تونس على أعتاب ما يمكن تسميته بـ’الجمهورية الثانية’ بالنظر إلى أن نظام الحكم في “الجمهورية الأولى’ في عهدي الراحل الحبيب بن بورقيبة وبن علي، كان أحادي الطابع خلافا للتعددية السياسية التي تم إقرارها بعد ثورة 2011.

وحكم الحبيب بورقيبة (1957 – 1987) تونس ثم زين العابدين بن علي ( 1987 – 2011) ليحل محله في الفترة الانتقالية كل من محمد الغنوشي (لمدة 24 ساعة في 15 يناير/كانون ثاني 2011) يليه فؤاد المبزع ( يناير 2011 إلى حدود ديسمبر/ كانون الأول 2011) ثم الرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي (2012 – 2014).

وسيتولى الرئيس المنتخب القادم الحكم لمدة 5 سنوات وفقا للفصل 75 من الدستور التونسي الجديد الذي نص أيضا على أنه “لا يجوز تولي رئاسة الجمهورية لأكثر من دورتين كاملتين، متصلتين أو منفصلتين (أي إجمالا 10 سنوات)’. وفي حالة الاستقالة، تعتبر تلك المدة “مدة رئاسية كاملة’.

ويحظى الباجي قائد السبسي بحافز معنوي بعد فوزه بالمرتبة الأولى في الدور الأول من الرئاسيات، كما نال  حزبه أكبر عدد من المقاعد (86 مقعدا بنسبة حوالي 40 % من مقاعد البرلمان الـ217) في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا ان مناصري المرزوقي يرون أيضا ان فرص فوزه قائمة بعد نجاحه في التأهل للدور الثاني والحاسم من هذا الاستحقاق في وقت كانت قد ذهبت فيه بعض الاستطلاعات إلى توقع نجاح السبسي من الدور الاول وحصوله على أكثر من 50 % من الأصوات.

ودعي قرابة 5.3 مليون ناخب تونسي للتوجه لمراكز الاقتراع بدءا من الثامنة من صباح الاحد (7 تغ) وحتى السادسة مساء (17 تغ)، للإدلاء بأصواتهم في هذا الاستحقاق الذي يأتي ضمن أول انتخابات رئاسية “ديمقراطية’ من نوعها في تاريخ تونس الحديث، كما يجمع العديد من المتابعين للشأن التونسي، حيث ترى العديد من المنظمات الحقوقية الداخلية والخارجية أن الانتخابات التي جرت بالأخص في زمن الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لم تكن نزيهة ولم تعكس تعددية سياسية حقيقية.  ويتوزع الناخبون التونسيون على 33 دائرة انتخابية تضم إجمالا أكثر من 10 آلاف مكتب اقتراع، منهم 27 دائرة في 24 محافظة تونسية و6 بالخارج.

ويبدأ الناخبون المقيمون بالخارج التصويت، يوم الجمعة وحتى الأحد، لمدة ثلاثة أيام، ويقدر عددهم بحوالي 380 ألف في 45 دولة موزعين على 387 مكتب اقتراع، وتتصدر فرنسا الدول التي توجد فيها أكبر نسبة من الناخبين التونسيين بالخارج ( 53 %) أي أكثر من النصف.

وفي إطار النظام الرئاسي- البرلماني المختلط الذي اعتمده دستور تونس الجديد، ستكون للرئيس المقبل الصلاحيات التالية التي نصت عليها المادتان 72 و77 من الدستور التونسي: “يمثٌل رمز وحدة الدولة ويضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور… ويمثل الدولة ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة’.

كما منح الدستور له صلاحيات حل مجلس نواب الشعب وفق شروط وظروف محددة من أهمها، في حال عدم نيل الحكومة ثقة البرلمان، وكذلك صلاحية الدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، وترؤس مجلس الأمن القومي والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب وإبرام السلم وإرسال قوات للخارج بعد موافقة “مجلس نواب الشعب’ (البرلمان).

وانطلقت الحملة الانتخابية للرئاسيات يوم الثلاثاء الماضي 9 ديسمبر/ كانون أول، على ان تنتهي يوم الجمعة المقبل 19 ديسمبر.

وخيم جو من التوتر مع انطلاق الحملة للانتخابية للمرشحين، بدأت بتصريحات حادة أطلقها المرشح المستقل المنصف المرزوقي ينبه فيها من “عمليات تزوير’ قد تطال جولة الإعادة وهو ما اعتبره حزب منافسه قائد السبسي “تهديدا للأمن والسلم الاجتماعيين’ ومحاولة مسبقة للتأثير على النتائج.

وقبيل الحملة، أدلى السبسي من جانبه بتصريح اعتبر فيه أن المرزوقي حظى في الدور الاول من الانتخابات بدعم التيار السلفي الجهادي الذي يتبنى العنف، وهو ما أثار فعاليات احتجاجية لعدد من مؤيدي المرزوقي رأوا في هذا التصريح محاولة لتشويه صورته و’تخويف’ الناخبين من توجهاته.

وفي ضوء فوز حزبه، نداء تونس، بأكثرية المقاعد في التشريعيات الأخيرة، حرص السبسي أكثر من مرة في حملته الانتخابية الجارية على التأكيد على أن حزبه لا يسعى لاحتكار السلطة بالجمع بين الحكومة والرئاسة، وأنه لن يحكم منفردا، فيما يقدم المرزوقي نفسه للتونسيين على أنه يمثل أكبر ضمانة لاستمرار مكاسب ثورة 2011 التي اطاحت بديكتاتورية بن علي، ويعتبر ان فوز السبسي، الذي شغل عدة مناصب وزارية وسياسية هامة في عهدي بورقيبة وبن علي، سيعيد تونس إلى “نقطة الصفر’، وسيلغي مكاسب الثورة ويعيد “النظام القديم’ للحكم.

ورسميا، تقف “حركة النهضة’ (توجه إسلامي)، ثاني أكبر كتلة في البرلمان المنتخب (69 مقعدا)، على الحياد بين السبسي والمرزوقي.

وفي ضوء قرار الحركة بعدم الدفع بمرشح رئاسي لها حرصا على التوافق الوطني وعدم احتكار السلطة، فقد تركت لمرشحيها حرية الاختيار، إلا ان مسؤولي حركة “نداء تونس’ وحلفاءهم مثل “الجبهة الشعبية’،  يبدون قناعة بأن مناصري النهضة يؤيدون المرزوقي، وهو ما يتجلى بالفعل في التعليقات التي ينشرها شباب الحركة على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تحمل، منذ الدور الأول للرئاسيات، دعوات صريحة لانتخابه.

من جانبه، أعلن “الاتحاد الوطني الحر’ (ليبرالي) ثالث كتلة برلمانية بزعامة سليم الرياحي، تأييده للسبسي، فيما أعلنت الجبهة الشعبية (تحالف من احزاب يسارية) رابع كتلة برلمانية بزعامة حمة الهمامي، عدم دعمها للمرزوقي وتأييدها للسبسي شريطة إعلان برنامجه “بشكل واضح’.

وأقرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ثلاثة تدابير للحيلولة دون عودة الخطابات الحادة والمتشنجة أو المشككة في نزاهة الانتخابات تتمثل في دعوة المترشحين الاثنين للدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الى “احترام مبادئ الحملة الانتخابية’، وتوجيه “تنبيه’ للمترشح الذي شكك في نزاهة الانتخابات (المرزوقي)، وإحالة كل مرتكب لجريمة انتخابية على النيابة العمومية، كتوظيف دور العبادة للدعاية الانتخابية أو الادعاء بالباطل بوجود تزوير في الانتخابات.

وناهزت نسبة المشاركة الإجمالية في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية  63 % رسميا فيما بلغت نسبة الاقبال في الانتخابات البرلمانية التي سبقتها 69 %.

وتمثل فئة الشباب اكبر نسبة من المسجلين للانتخابات (حوالي 63 %) غير أن هذه الفئة واصلت عزوفها على صناديق الاقتراع في الدور الأول من الرئاسيات مثلما فعلت في التشريعيات، وهو ما علله مراقبون بـقناعة هؤلاء المقاطعين بـ’عدم تحقيق أهداف الثورة للآن وأولها خلق مواطن شغل والتقليص من نسب البطالة’.

في المقابل، ينتظر ان تسجل الانتخابات الرئاسية المقبلة رقما قياسيا من حيث عدد المراقبين والملاحظين لعملية الاقتراع، حيث يشارك نحو 77 ألف ما بين مراقبين وملاحظين، منهم 50 ألف تابعين للمترشحين الاثنين في رصد عملية الاقتراع في تونس والخارج، وفقا لما أفادت به عضو الهيئة العليا للانتخابات لمياء الزرقوني الأناضول.

ومن بين هؤلاء أيضا ملاحظون تابعين لمؤسسات اقليمية ودولية ومنظمات حقوقية غربية على غرار الإتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومركز جيمي كارتر الأمريكي.

ومن المنتظر أن تجند كل من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع ما يناهز الـ 80 ألف عنصرا لتأمين سير جولة الإعادة مثلما فعلت في الدور الأول.

ووفقا للقانون الانتخابي المعتمد في مايو/آيار 2014 من الجمعية التأسيسية، فانه يلزم للفائز الحصول على الأقل على 50 بالمائة+1 من الأصوات، وان تساوى المترشحين في عدد الأصوات يعتمد مباشرة الأكبر سنا ويعلن رئيسا للجمهورية، وسيكون في هذه الحالة الأخيرة السبسي هو الفائز (88 عاما) وليس المرزوقي (69 عاما). وينتظر ان تعلن رسميا النتائج الكاملة للانتخابات في موعد اقصاه يومين من عملية الاقتراع.

Comments are closed.