الأوامر من فوق.. ”الكود”الذي يعلو على القانون

netpear
netpear

عبد الحكيم بلبطي

جاءت الرسالة المفتوحة التي وجهها حسين مالطي إلى مدير المخابرات الجزائرية، الفريق محمد مدين، كمحاولة إنقاذ للتحقيق في قضية فضائح سوناطراك، حتى لا يكون مصيره ’الغلق’.
جاءت الرسالة، ربما، لأنه لم يلمس ولم يشعر بتجاوب السلطات الجزائرية مع ما نشره في رسالة 2010، أو في كتابه ’التاريخ السري للبترول الجزائري’. وسيلاحظ من يقرؤه، بأنه يحمل الكثير من المعلومات المتعلقة ببؤر الاغتناء، ويحمل، أيضا، ما يفيدنا في استيعاب أو توسيع فهمنا لما يجري في منطقة الساحل، والمخطط الفرنسي القديم (يتجدّد اليوم*) بخلق كيان في المنطقة، مهمته حماية المصالح الفرنسية.
لا أعتقد أن حسين مالطي يقوم بتقديم ’طلب عمل’ من السلطات الجزائرية، والأرجح أنه يربكهم ويحرجهم بما ينشره، منذ سنوات، عن الفساد الذي جعل الجزائر في قاع الترتيب العالمي. لا يقدم طلب عمل، لكنه يصرّ على طلب التحقيق الجدي، حتى لا نبقى، كما يقول، ننتظر تطور مجريات التحقيق الإيطالي.
وحول القضية، يقول وزير المناجم، يوسف يوسفي، بأن الجزائر ستقوم بالواجب، عندما تتأكد مما تداولته الصحف الجزائرية.
لست من دعاة ولا من مؤيدي توجيه التهم من دون دليل، وهذا ليس هو الموضوع، لأن المنتظر، الآن، هو التحقيق جديا للتأكد مما نشرته الصحف استنادا للتحقيق القضائي الإيطالي، وتجاوز تجارب سابقة، على غرار قضايا شركات أجنبية وجزائرية، وهو الأمر الذي تجنب الخوض فيه وزير المناجم، عندما اختار ذلك الأسلوب وتلك التركيبة للإجابة على سؤال حول التحقيق في قضية سوناطراك.
والتحقيق إلى نهايته، هو ما يطالب به حسين مالطي. والذين يقرؤون التعاليق المنشورة على صفحات الشبكات الاجتماعية، سيلاحظون كيف تميزت مجموعة من التعاليق بتوجيه رماحها لشخص مالطي، مشككة في وطنيته وإخلاصه..
بطبيعة الحال، لم تعد مثل هذه العبارات تؤثـر في الرأي العام، لأنه يعيش وسط الفساد، ويراه في كل مكان. وغير العاقل، في زمننا هذا، من يكتب أو يعلق على أن الجزائر غير مريضة بفسادها. ومناقشة رسالة مالطي لا يجب أن تكون حول ’لماذا يكتب الآن*’، وإنما ’لماذا يتأخر التحقيق فيه*’. قد يكون المزعج فيها أن صاحبها توجه إلى الفريق محمد مدين، مدير مصلحة استراتيجية، بما يفيد اختصار مسافة تحديد الجهة التي تتحكم بخيوط الحلّ والربط في الجزائر. والأمر مزعج ومحرج، مزعج لأن ’رئة الجزائر’ التي يتنفس منها الجميع، بمن فيهم ’سراقها’، مكشوفة على تيارات هوائية قد تصيبها بذبحة، تسقطها ونفقر معها، والأمر المحرج أننا شهود على شهادات وحقائق، وعاجزون عن قول كلمة صدق أو كلمة حق من أجل الوطن، نختبئ ونختفي وراء مصطلحات نتيجة الخوف. فكم من مرة سمعنا تلك العبارة المشهورة، لشهود ومتهمين، وهم يردّدون ’تلقينا الأوامر من فوق’، معترفين مسبقا بأنهم لا يطبقون القانون، غير ذاك الصادر ’من فوق’، وقد يكون الأمر بتحريف أمر، أو إخفائه، أو تنفيذه للانتقام. فـ’تلقيت الأمر من فوق’، أضحى ’كود اللعبة’ التي تحمي المعتدي، وتحدّد مستوى كشف الحقيقة.
وقد تنزعج السلطات من الترويج لنشاط وتصريحات جيلالي حجاج، رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد، عندما يقول بأن السلطات تحارب المنظمات والمناضلين المندّدين بالفساد، أكثـر من محاربتها للفساد. فهي المسؤولة على عجزها في مسايرة السرعة التي يتقدم بها نشاط الفساد، ومحل تساؤلات لمنعها منح الاعتماد لجمعيات اجتماعية متخصصة في تعقب بؤر الفساد والكشف عنها. وعندما يعلق المحامي ميلود ابراهيمي على مطلب استقلالية القضاء، فهو يقف على نفس الرأي القائل باستحالة تحقيق ذلك الآن، لأن من يطالب بذلك هو جزء من منظومة شاملة، ترفض ولا تريد الاستقلالية للقضاء. والسؤال: كيف يتحقق مطلب الاستقلالية* علما أن القضاء من الناحية الدستورية هو مؤسسة مستقلة منذ سنوات(*)، وعلى أرض الواقع ما زال يطالب بالاستقلالية، ويطلبها من مؤسسات ’شريكة’ له دستوريا في المنظومة المشكلة لمؤسسات الدولة، فالندية والتوازن واحترام الصلاحيات بين المؤسسات غير متوفر. ولهذا، أضحت الرسائل المنشورة عبر الصحف والشبكات الإلكترونية وسيلة تبليغ للرأي العام عن بعض القضايا الحساسة. وفي غياب القدرة، وغياب الإرادة السياسية، تعمل السلطات وفق ترتيب بسيط الإمكانيات ومحدود الأهداف، حيث اهتدت إلى إطالة عمر التحكم في السمعي البصري، وإرجاء إنشاء قنوات تهتم بالسياسة، مؤجلة قدر الإمكان وعود تحسين خدمات الأنترنت.

المصدر: الخبر الجزائرية

 

Comments are closed.