هل فعلا تراجع الإسلاميون في الجزائر؟

المشرف
المشرف

احميدة عياشي

سؤال محوري طرحه علي أحد الدبلوماسيين الفرنسيين عندما لاحظ تراجعا للإسلام الإخواني خلال الانتخابات المحلية الأخيرة بالجزائر، ولقد فهمت تساؤله الذي حيره، لأن النتائج التي حققها الإسلاميون بالجزائر جاءت ملفوفة بالحيرة ومثيرة لتساؤلات حادة خاصة وأن البلدان التي اجتاحتها رياح الربيع العربي أفرزت الإسلاميين كقوة رئيسية في الحكم، حدث ذلك في معظم هذه البلدان، بل وحتى بلد مثل سوريا الذي يعيش حربا أهلية معقدة وشرسة برز فيه الإسلاميون الراديكاليون على الميدان من جهة، ولمع الإسلاميون الإخوان على الصعيد السياسي كنواة صلبة لتحالف المعارضة التي تم مباركتها من قطر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية..

 

طبعا، سوف لن أسعى إلى التشديد على مثل هذا التوجه المؤقت للساحة العربية، لكن سوف أثير مسألة أخرى تتعلق بلماذا هذا الرهان على صعود الإسلام الإخواني إلى الحكم في العالم العربي، ومن يسعى إلى العمل على تحقيق مثل هذا السيناريو الذي بدأت ملامحه تأخذ أشكالها الملموسة؟!

 

إن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص، وصلوا إلى قناعة تتمثل في أن النخب التي تشبعت بالقيم الغربية والإنسانية على أساس الحداثة لم تتمكن خلال عقود من نقل العالم العربي من مجاله التقليدي إلى المجال الحديث، مثلما فعلت النخب التركية التي مثلها مصطفى أتاتورك، بحيث أنهى حكم الخلافة وأحدث قطيعة جذرية مع الموروث الديني التقليدي في إدارة الحكم وشؤون الدولة، حتى وإن كان ذلك عبر عملية قيصرية شديدة العنف.. فحتى محمد علي الذي حلم بإنشاء دولة عصرية محاكية للدولة الأوروبية أخفق في تحقيق مثل هذا المشروع بفعل موازين القوة الأوروبية آنذاك، كما فشلت النخب الليبرالية في إحداث نقلة نوعية على مستوى الوعي الإجتماعي والثقافي، وكان الأمر مماثلا بالنسبة للنخب التي ارتبطت بالوجه الثاني للحداثة الإيديولوجية والثورية في عمليات التحرير الوطني والقومي ومحاولات بناء الدولة الوطنية من خلال الفكر القومي الناصري، ومن خلال تجربتي البعث والحرب التحريرية ضد النظام الكولونيالي.. فالمد الإسلامي بموجاته المتعددة ووجوهه، بدءا من الوهابية والحركة الإصلاحية والتيار الإخواني ظل يعرف تغلغلا داخل المجتمعات العربية من جهة، ومن جهة ثانية شكل مقاومة معقدة للحداثة السياسية الراديكالية التي ارتبطت بنمط الحكم التسلطي وشبه الديكتاتوري الذي ساد في الستينيات والسبعينيات وإلى غاية العام 2010 الذي كان بمثابة الإعلان عن ميلاد زمن جديد، وصف حينا بزمن الثورات العربية وحينا آخر بالربيع العربي كإحالة إلى ربيع البلدان الشرقية التي انتفضت شعوبها ضد نظام الحزب الشيوعي الواحد.. وبالرغم أن هذه الثورات لم تكن متوقعة لا من الحكام العرب الذين راحوا يحولون جمهورياتهم إلى جمهورية ملكية مثلما فعل الأسد مع ابنه بشار الذي أورثه الحكم، وما كان يخطط له كل من مبارك، ومعمر القذافي والرئيس اليمني محمد صالح.. وفتحت هذه الثورات أعين الغرب، وأمريكا خصوصا للإستيلاء على هذه الثورات من خلال إعادة إدماج  توجهاتها ضمن وجهة واحدة، تتمثل في الوجهة الإسلامية التي ترعى الإعتدال، ويمثلها بامتياز التيار الإخواني للإسلام السياسي كبديل عن الإسلام الراديكالي الجهادي الذي تم توظيفه في مرحلة الحرب الباردة ضد الإتحاد السوفياتي في التجربة الأفغانية والذي تحول فيما بعد إلى تهديد حقيقي بالنسبة للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة العربية والإسلامية.. وانبثق هذا الإقتناع عند الإدارة الأمريكية بوجه خاص بعدم ثقتها في القوى الليبرالية والتقدمية كقوة سياسية ذات ثقل وتأثير داخل مجتمعاتها، لكن أيضا تم عن اقتناع الغرب بعدم جدوى ممارسة العرب لديمقراطية حقيقية وفعلية لأن ذلك من شأنه أن يحول هذه الشعوب إلى قوة يحسب لها ألف حساب على مستوى الدفاع عن استقلالاتها السياسية والإقتصادية بوجه خاص… ومن هنا فإن الإسلام الإخواني بالتحالف مع دولتين مثل قطر والسعودية، يساهم في خلق عالم عربي جديد يشكل توافقا مع المصالح الأمريكية وجدارا حصينا في وجه محور الإسلام الشيعي الذي تمثله إيران…

المصدر: الجزائر نيوز

 

Comments are closed.