الباجي قايد السبسي.. معدن صقله الزمن (بروفايل)

عقود من الخبرة ومسيرة مهنية حافلة، ممزوجة بدراية واسعة بأدقّ تفاصيل الشأن الداخلي للبلاد تجعله يستجيب لمعايير الدستور التونسي الجديد وقد تؤهله للفوز بالسباق الرئاسي

المشرف
المشرف

عقود من الخبرة في الدبلوماسية الخارجية وإدارة الأمن الوطني التونسي، موشّحة بدراية واسعة بأدقّ تفاصيل المشهد الداخلي للبلاد.. مسيرة مهنية طويلة لشخصية صقلها الزمن ومنحها معايير تستجيب للدستور الجديد، قد تؤهّل مرشّح حزب “نداء تونس’ الباجي قايد السبسي للفوز بالرئاسية التونسية في ثاني جولاتها الأحد المقبل.

ووفقا للدستور التونسي الصادر في 10 فبراير/ شباط 2014، فإنّ مهام رئيس الدولة الأساسية تنحصر في تحديد السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، والمتعلّقة بحماية الدولة و التراب الوطني، مثل ضمان الامتثال لمقتضيات الدستور الجديد.

ولئن كان انتخاب الرئيس يعتمد بالأساس على المسيرة الذاتية والمهنية، فإنّ مرشّح حزب “نداء تونس’ الفائز بالانتخابات التشريعية التي جرت في تونس أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يمتلك كلّ الحظوظ للفوز بالجولة الثانية للرئاسية التونسية. فتكوينه ومكتسباته وخبراته تستجيب للمعايير التي حدّدها الدستور، وربما تجعل منه، بالتالي، المرشّح الأوفر حظا في سباق الرئاسة نحو قصر قرطاج.

غير أنّ السبسي يبدو على يقين راسخ بأنّ الطريق نحو الرئاسة لا يعتمد على السيرة الذاتية فحسب، فلقد أدرك أنّه ينبغي خلق منظور مغاير لما سبق، واستنباط نقاط ربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، فكان أن سعى إلى استثمار رصيده السياسي السابق، واستحضار نفس جديد يدعم تلك المثابرة الاستثنائية التي تميّزه، والتي ما يزال متشبّثا بالمحافظة عليها، ووضعها قيد الاختبار. سمة لم تخلو منها جملة تصريحاته عقب إطلاق حملته الانتخابية “المفيدة (…) للبلاد’، على حدّ قوله، مضيفا بصريح العبارة: “أنا حامل لمشروع يتمثل في حمل تونس إلى القرن الحادي والعشرين’، بشكل فعلي.

ويستبطن التصريح مفارقة بالنسبة لرجل ولد في عشرينات القرن الماضي (1926)، مفارقة تتجسد في مقولة الزعيم الفرنسي السابق “شارل ديغول’ بأن “الشيخوخة، غرق’، يرد عليها السبسي بأن “الشباب هو حالة ذهنية’ قبل كل شيء، ومع أن الأغلبية التي تحصل عليها في الانتخابات التشريعية، نسبية،  فإنه على تمام الاقتناع بأنه مازال يحمل في جرابه الكثير.

فالسبسي  يمكن أن يحمل عن جدارة صفة “رجل من القرن الماضي’، لانطلاقه في العمل السياسي منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما كان لايزال طالبا في العاصمة الفرنسية باريس. فلقد انخرط في النضال الوطني التونسي ضدّ الاستعمار الفرنسي مع نشطاء الحزب الحرّ الدستوري الجديد. ولدى عودته إلى تونس، اقترب أكثر من “زعيم الحركة الوطنية’ الحبيب بورقيبة، والذي سبق وأن تعرّف عليه في فرنسا.

بعد الاستقلال، تقلّد العديد من المناصب في الشؤون الاجتماعية والإدارة الإقليمية والسياحة. ولكن حياته السياسية الحقيقية بدأت في وزارة الداخلية، حيث تم تعيينه مديرا للأمن الوطني، ليجد نفسه في الواجهة مع ملف حارق يتعلّق بالمؤامرة ضد رئيس الجمهورية آنذاك الحبيب بورقيبة.

ومع اشتداد عوده المهني، بدا أنّ ذلك الشاب الذي بدأت بصقله سنوات الخبرة والتمرّس بشؤون الدولة، في طريقه نحو النجاح، حيث سجل الباجي قايد السبسي حضوره في أبرز فترات حكم الرئيس بورقيبة بعد تقلده منصب وزير الداخلية عام 1967، وكان عليه أن يواجه الاضطرابات التي شهدتها البلاد أثناء حرب الأيام الستة التي اندلعت في الشرق الأوسط.

على إثر ذلك، استلم السبسي حقيبة الدفاع، ثم أرسل بعدها كسفير تونس إلى باريس، ولم تبعده سنوات الـ 1970 العجاف عن دوائر الحكم على الرغم من الخلاف الذي كان قائما حينها بينه و بين الحزب الحاكم.

وعاد باجي قائد السبسي إلى الواجهة عام 1981 وشغل منصب وزارة الخارجية وتكفل بعدد من الملفات الشائكة من ضمنها العلاقات المتوترة مع الجارة ليبيا تحت حكم معمر القذافي، وملف استقبال المقاتلين الفلسطينيين عام 1982 والملف اللبناني، وحادثة القصف الإسرائيلي لمقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985.

ومثل التصويت الأممي على إدانة هذا الاعتداء الإسرائيلي، تتويجا لمسيرته على رأس الدبلوماسية التونسية.

بعد غياب طويل على الساحة السياسية التونسية، سجل السبسي عودته من جديد إلى أضواء السياسة كرئيس للحكومة إثر أسابيع الارتباك التي تلت الثورة في تونس.

واستشعر السبسي في التونسيين نوعا من “الضياع’ السياسي والقيمي فكان أن استنجد بما اعتبره عامل طمأنة لقسم كبير منهم، الفترة البورقيبية، التي استلهم منها السبسي جميع تمظهرات خطابه السياسي، لا سيما منها المتعلقة بمفهوم “هيبة الدولة’ وهو مفهوم ما فتئ يظهر مرارا وتكرارا في خطاباته، وكان الرجل يعني ما يقول. ومنذ ذلك الحين، بدا قايد السبسي ملتصقا بشكل كبير بشخصية بورقيبة إلى حد التماهي.

ولم تزده اللقاءات التي اجراها السبسي مع كبار هذا العالم، ومن بينهم الرئيس الأمريكي “باراك أوباما’، غير ألقا في عيون مؤيديه ورسّخ فيهم القناعة الدفينة بأنّ “البركان العجوز’  مازال يقذف حمما.

في الجهة المقابلة، ما انفك المناوئون السياسيون للباجي قائد السبسي يذكرون بفترة مروره بوزارة الداخلية في سنوات الـ 1960 والقمع الذي مارسه من خلال هذا الجهاز، وبمشاركته في الحكم فترة الرئيس السابق زين العابدين بن علي حتى وإن لم يتعد ذلك عام 1991، هذا فضلا عن إدارته السيئة لبعض الملفات فترة ترؤسه حكومة ما بعد الثورة منذ سنتين.

معدن صقله الزمن ومنحه مزيجا استثنائيا من الميزات والقدرات.. لم تثنه سنواته الـ 88 من القفز إلى واجهة المشهد السياسي التونسي رغم الانتقادات والاحتجاجات، وهاهو اليوم يتحضّر لأداء مهمة يرى أنّها تتلخّص في “بناء دولة حديثة وعادلة، وأمّة متحضّرة تفخر بهويتها العربية والإسلامية، وحكومة مسؤولة (…) تضمن الأمن والحريات’، على حدّ تعبيره.

هي ذات النظرة الثاقبة وذات القامة القصيرة وهو ذات أسلوب التعبير المسرحي و “البهارات’ اللغوية التي ينمق بها حديثه لشد المستمع.  وجد السبسي في ذاكرته وفي هيئته الجسدية وفي تكوينه الأكاديمي جميع المكونات التي تجعله يعيد إلى الأذهان شخصية بورقيبة، “الأب الروحي للأمة التونسية’ كما يحلو للبعض تسميته.

ومع بداية العدّ التنازلي للجولة المصيرية للرئاسة التونسية، لم يفقد الرجل يقينه بالفوز وثقته في خيار الشعب.. كان وكأنّه يؤكّد لنفسه وللتونسيين وللعالم أنّ الزمن زمنه وأنّ ما انساب من عمره لا يزيده سوى خصالا تؤمّن حصوله على دعم الناخبين.. قال متوجّها إلى أنصاره، خلال اجتماع شعبي بمحافظة أريانة (شمال) “لديّ ثقة في الشعب التونسي.. نحن في انتظار قراره وسأحترم خيار الشعب’.

 

Comments are closed.