البعد الإقليمي وأثره في نجاح أو فشل الثورات الشعبية

مدير وحدة الحركات الإسلامية بالمركز العربية للدراسات الإنسانية

المشرف
المشرف

الناظر في تاريخ الثورات الشعبية في العالم يستطيع بقليل من الجهد أن يدرك مدى تأثير البيئة الإقليمية على نجاح أو فشل الثورات الشعبية.

كل الثورات الشعبية في العالم إذا كان الوسط الإقليمي يراها خطرًا داهم عليه، فإنها يسعى حثيثا في إفشالها، وغالبا ما يكون لهذه البيئة الإقليمية المعادية الدور الحاسم في إسقاط تلك الثورات خاصة في مرحلتها الأولى.

حدث ذلك مع الثورة الفرنسية ومع الثورة الأوكرانية ومع الثورات العربية، وقدر الثورات أن تسعى في الطريق إلى آخره، لأنها وهي تسعى للتغيير فإنها لا تتصادم مع الواقع الداخلي فقط بل تتصادم مع واقع إقليمي أشد شراسة في مقاومته وأكثر تشبسا بالبقاء.

الثوريون إذا تغاضوا عن البعد الإقليمي في ثورتهم ولم يسعوا لتحييده على الأقل فإن الثورات لن تأتي أكلها وستأخذ مسارا طويلا لتحقيق أهدافها.

المنوذج الأول: الثورة الفرنسية:

تعاقبت على فرنسا ثلاث ثورات كانت أولاها عام 1789، وانتهت بالثورة الثالثة عام 1848؛ تقلبت فيها البلاد بين عديد من نظم الحكم؛ من الملكية ثم إلى الجمهورية، مروراً بالإمبراطورية ثم إلى الملكية، وأخيراً الجمهورية ثورتهم الثالثة عام 1848 التي اجتاحت معظم البلدان الأوروبية.

نادت الشعب الفرنسي منذ بداية ثورته بإلغاء الملكية نهائيًا بعد فقدان الأمل في كثيرها وقليلها وطالب بالتحول إلى نظام جمهوري، فإذا بجميع ملوك أوروبا يحشدون أنفسهم وقواهم للقضاء على الثورة الفرنسية خوفًا من انتشار هذا المطلب الثوري ووصوله إلى ممالكهم.

في العام 1798 وبموجب إعلان قصر بلينيتز بمدينة درسدن الألمانية أطلقت كل من النمسا وبروسيا دعوة عامة لجميع حكام أوروبا لمساعدة الملك لويس السادس عشر ملك فرنسا لاستعادة سلطته، ونتيجة لذلك أعلنت فرنسا الحرب في أبريل 1792.

في 20 سبتمبر 1792 تمكنت القوات الفرنسية من دحر القوات المشتركة للنمسا وبروسيا التي كانت في طريقها لغزو باريس. في بداية عام 1793، شكلت كل من النمسا وبروسيا وإسبانيا والمقاطعات الهولندية المتحدة وبريطانيا العظمى أول تحالف سباعي.

تخيل معي تحالف سباعي من أجل ماذا؟ من أجل إيقاف حركة التغيير في فرنسا حتى لا تطالهم.

النموذج الثاني: الثورة الأوكرانية:

الثورة البرتقالية 2004 كان التزوير المباشر والفساد وترهيب الناخبين وسوء الأحوال الاقتصادية، إضافة إلى تطلع الناس للحرية؛ هي الدوافع التي دفعت الأوكرانيين للنزول إلى الشوارع أواخر العام 2004، ولنا أن نلاحظ أن أوكرانيا كانت تحت مظلة الحزب الشيوعي منذ العام 1919 حتى العام 1991 بعد انسحابها من الاتحاد السوفيتي.

كانت بداية الشرار مع رفض الأوكرانيين نتائج الدورة الانتخابية الحاسمة في 21 نوفمبر 2004 بين المرشحين البارزين: فيكتور يوشينكو وفيكتور يانكوفيتش.

وقد تبنّى المتظاهرون اللون البرتقالي باعتباره اللون الرسمي للحركة منذ أن كان لون الحملة الانتخابية للمرشح المعارض الرئيسي فيكتور يوشينكو.
تظاهر الأوكرانيون يومياً في العاصمة كييف التي كانت مركز الثورة، حيث أقام مؤيدو يوشينكو خيمة كبيرة في المدينة لمدة 24 ساعة، وقد تم تسليط الضوء على ذلك بسلسلة من المظاهرات والاعتصامات والإضرابات العامة التي كانت تنظمها المعارضة في معظم أنحاء أوكرانيا.

وتحت هذا الضغط من جانب المعارضة والشعب الأوكراني الذي رفض التزوير؛ تم إلغاء نتائج الدورة الحاسمة الأصلية، وأمرت المحكمة في أوكرانيا بإقامة دورة ثانية حاسمة في 26 من ديسمبر 2004. وبسبب الرقابة الدولية المكثفة والتغطية الإعلامية، أثبتت النتائج الرسمية للدورة الثانية الحاسمة أنها نزيهة وقانونية، وفاز مرشح المعارضة فيكتور يوشينكو بصورة واضحة، وتم إعلانه الفائز الرسمي، وجرى تنصيبه في المكتب باعتباره الرئيس الثالث لأوكرانيا بعد الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، في 23 من يناير 2005.. إلى هنا اعتبرت الثورة البرتقالية أنها نجحت وحققت انتصارها الحاسم.
ماذا كان رد الفعل الروسي تجاه تلك الثورة في البلد التي تعدها حديقتها الخلفية، بعد خمس سنوات من ثورة 2004، عاد فيكتور يانكوفيتش مرة أخرى إلى السلطة، وأطاح الناخبون الأوكرانيون بزعيم الثورة فيكتور يوشينكو ومن بعده شريكته يوليا تيموشينكو، وتخرج كبرى وسائل الإعلام في العالم بعناوين متشابهة مفادها «الموت الحزين للثورة البرتقالية»؛ فقد جاءت نتائج الانتخابات في صالح النظام القديم، حتى إن لم يكن الفارق كبيراً، فقد كانت نتائج الانتخابات معبّرة عن ضيق الناس من يوشينكو؛ فقد أظهرت نتائج الدورة الأولى نسبة متدنية له (5٫33 ٪)، ويوليا تيموشينكو رئيس الوزراء في عهده نحو (25 ٪)، وحصل فيكتور يانكوفيتش على نحو (35٫5 ٪) من أصوات الناخبين، فأعيدت الانتخابات في الدورة الثانية بين أكثر اثنين، فنجح يانكوفيتش بنحو (49 ٪) بفارق (3 ٪) عن يوليا تيموشينكو، التي حصلت على (46 ٪).. وهكذا عاد النظام القديم برجله فيكتور يانكوفيتش إلى السلطة، وهو رابع رئيس للبلاد.

لعبت القوى الخارجية دوراً كبيراً في عودة يانكوفيتش، فحين غرقت أمريكا وأوروبا في أزمتها الاقتصادية وبدأت روسيا تستقر سياسياً واقتصادياً إلى حد ما؛ كان هذا الظرف مواتياً لروسيا لتعويق الحكم الجديد في أوكرانيا بعد الثورة البرتقالية، وبخاصة اقتصادياً عن طريق الغاز، وهي مطمئنة بانشغال أمريكا وأوروبا بأزماتها.

وبذلت روسيا جهداً كبيراً في توتير الأوضاع الداخلية ضد حكم يوشينكو، وبخاصة في المناطق الشرقية من أوكرانيا وبعض المناطق الأخرى الموالية لها في أوكرانيا. بدأت روسيا بالمساومة على رفع أسعار الغاز أو منعه بحجة عدم دفع أوكرانيا مستحقات روسيا، وصار الغاز الروسي سلاحاً مؤثراً موجَّهاً إلى النظام الجديد، وارتفعت الأسعار، وشعر الناس بالضيق، حتى إذا جاءت انتخابات 2010 كان جمهور كبير إلى حد ما من الناس في أوكرانيا يشعر بالإحباط، فكانت نتيجة الانتخابات في صالح روسيا والنظام القديم، فقد عاد يانكوفيتش للحكم.

دعمت روسيا النظام القديم العائد إلى السلطة في أوكرانيا، وقام يانكوفيتش بتوقيع عديد من الاتفاقيات مع موسكو في مجال الطاقة، ووطّد التعاون الاقتصادي فيما بينهما، وتطورت العلاقات في مجالات الصحافة والنشر والتعليم واللغة والثقافة.

وقد أشار يانكوفيتش إلى إمكانية إجراء اتفاقية جديدة تتعلق بأسطول البحر الأسود الروسي مقابل خفض أسعار الغاز الطبيعي، وهذا ما تم لاحقاً.
هناك قامت الثورة الأكرانية الثانية2014، أو المرحلة الثانية من الثورة إن شئنا الدقة.

ويتجلى هنا البعد الإقليمي في طرفه الآخر وهي الدول الأوروبية الغربية والتي لولا دعمها لأوكرانيا ووقوفها في وجه الدب الروسي لما نجحت الثورة الأوكرانية ـ وإن كان نجاحها حتى كتابة هذه السطور لم يتأكد بعد ـ إلا أن العامل الحاسم في بقائها إلى الآن هو الدعم الغربي الاقتصادي والسياسي.
لذلك نستطيع القول: إن كل الثورة ليس مجالها هو الإطار المحليا الداخلي فقط، بل تتسع دائرتها إلى الوسط الإقليمي المحيط لذا ينبغي على قادة أي حراك ثوري أن يمتلك أذرعًا سياسية تسعى للتواصل خارجيا خاصة في الدول المحيطة إقليميا؛ لأن العامل الإقيلمي يملك كثيرا من أدوات القوة التي تمكن للثورة أو تعوق تقدمها.

كل ثورة أهملت البعد الإقليمي أخذت مسارا أطول وأنفقت دائما أكثر، وإن كان نجاحها بقدر ثباتها على مبادئها قدرا محتوم.

Comments are closed.