التغيير يلتهم كل معانيه في الجزائر !

بقلم الكاتب و الأستاذ: العيد دوان

العيد دوان
العيد دوان

لا أدري لما يعشق أنصاف المثقفين في الجزائر أن يرددوا بأن التغيير هو التقدم، فضلا عن زعمهم أنه أمر لا مفر منه !! ألم يساهموا بهذا الترديد في إدراج التغيير في مجال الأدب الروائي وتحليل الخطاب؟ وبذلك عملوا على حصر التغيير في صورة بيانية لا جمال فيها ولا دلالة؟ ! بلاغة قد تبلغ في الخبث مدى تفقد الكلمة معانيها وتفرغها من دلالاتها النبيلة، عندما تستخدم للترويج لفكرة مفادها إن الإنسان مجبول بمقاومة التغيير!

ولقد أصبح التغيير حاضرا في كل مناحي الحياة لدى مختلف المنظمات. واستولى على التفكير باسم التقدم والنمو، فتحول إلى صورة بلاغية. والأسباب الكامنة وراء هذا الخطاب يأتي في شكل القياس المنطقي الذي يمكن تلخيصه على النحو التالي: التغيير شرط من شروط التقدم؛ التقدم مرغوب فيه دائما؛ التغيير إذن أمر ضروري للتقدم. وهنا يحق لنا التساؤل: منذ متى كان التغيير يلد دائما، شيئا إيجابيا؟

هذا، ومن اللزوم، أن ندرك ونسجل إن العالم يتغير باستمرار، وإن عملية التغيير تزداد وتيرتها على عدة مستويات. فمن الطبيعي إذن، ومن المرغوب فيه بل من الضروري أن يعاد النظر في القيادة والإدارة، والابتكار والابداع، وبشكل عام، في كيفية العمل معا أو جماعة. ولكن هل من الضروري أن يقدس هذا التغيير إلى درجة وضع الهيئة أو الهيكل الاجتماعي تحت الضغط دونما جدوى؟ قد يبدو هذا إفراطا، مع أن بعض المؤسسات تمجد التغيير كغاية في حد ذاتها. فأحد المناضلين العاشقين للتغيير على سبيل المثال، كان يحب أن يردد بأن التغيير، إذا كان خارج المؤسسة، أكثر أهمية من التغيير في الداخل، فإن النهاية قريبة. في هذه الحالة، فإن التغيير ليس الآن فقط، بل هو أيضا للجميع، وفي كل وقت.

ولكن هذا ليس كل شيء. فأحد رجال المال والأعمال في مجال السيارات، يوضح في أحد تدخلاته بأن صعوبة الحفاظ على معدل أعلى باستمرار من التحولات الداخلية للتغيرات الخارجية يعود أصلا إلى طبيعة الإنسان الذي يحب التغيير. هذه البداهة التي تحتاج حقيقتها العلمية إلى تعليل، راسخة ومعززة في العديد من كتب الإدارة، وكذا أفضل كليات إدارة الأعمال. ومقاومة الإنسان للتغيير لا يختلف عن التشبث الأبدي للرخويات بالصخور، والذي يعتبر القرار الوحيد في حياتها!

وأمام التحول المتسارع للعالم، نواجه أحيانا بلاغة تغيير، والعقبة الوحيدة التي يجب التغلب عليها، هي العزوف الطبيعي للإنسان. وللتغلب على هذه “الآفة’ في غضون سنوات قليلة، كان أن طورت صناعة هائلة للاستشارة والتدريب المخصص للدعم والسلوك وإدارة التغيير.

ولكن التغيير ليس قيمة إستراتيجية، والتسامح الضعيف للرجل مع التغيير ليس أمرا بديهيا. ولكي يكون التغيير وسيلة لتحقيق التقدم والتطور، يجب أن يكون ذا دلالة في خدمة إستراتيجية ومشروع اقتصادي واجتماعي مشترك. هذا، ولا بد من التذكير بأن علماء الاجتماع يؤكدون، خلافا للفكرة السائدة على نطاق واسع، إن الجهات الفاعلة في المؤسسات التجارية ليسوا متشبثين بالروتين في حياتهم اليومية. بل إن الواقع يفرض علينا أن نقول، بأنهم على استعداد لتغيير سريع، إذا رأوا في ذلك مصلحة في قواعد أو ظروف العمل المقترح عليهم.

العيد دوان،

Comments are closed.