الحرب القادمة من مالي

المشرف
المشرف

الكاتب: عبد العالي رزاقي (نقلا عن جريدة الشروق الجزائرية)

حين عاد مختار بن محمد بلمختار من أفغانستان عام 1992م كانت الجزائر على أبواب مأساة وطنية فشارك في تعميقها بإنشاء أول نواة مسلحة في مسقط راسه بغرداية سمّاها “الشهادة “لكنه تنازل عنها وانضمّ إلى “جماعة السلفية للدعوة والقتال’ التي كانت تمثل جناح الجريمة في “الحركة الإسلامية المسلّحة’ التي كانت تنشط في الجزائر وتمكن من الاقتراب إلى زعيمها جمال زيتوني المدعو أبو عبد الرحمن أمين وحاول أن يجري اتصالاً بينه وبين المرحوم أسامة بن لادن عندما كان في السودان عام 1994م مستندًا إلى علاقة قاري سعيد بمجلس شورى القاعدة وهو من المؤسسين للحركة الإسلامية المسلّحة في الجزائر، فهل إستجاب بن لادن؟

الموقّعون بالدّم الجزائري

يؤكد كميل الطويل في كتابه “القاعدة وأخواتها’ بأن بلمختار أخبره أنه كان أحد المشاركين في الإتصالات التي جرت بين الجماعة المسلحة وأسامة بن لادن في السودان، ويكشف موقف بن لادن من هذه الجماعة و ينقل ما قاله فيها حرفيا: “إنني أشهد الله أن التعاون مع هؤلاء يعتبر تعاونًا مع الإثم والعدوان’ (الكتاب، ص167)، ومثلما كانت لجمال زيتوني (مفجر ميترو باريس عام 1995م) اتصالات مع بريطانيا كانت لبلمختار هو الآخر إتصالات مع جهات فرنسية عبر موريتانيا، فهل الإعتداء على قاعدة الحياة بعين أمناس تبرير لتدخل الفرنسي في مالي؟ ولماذا اتهمت لويزة حنون رئيسة حزب العمال فرنسا بالذّات؟.

يبدو لي أن لجوء بلمختار إلى عنوان “الموقّعون بالدّم’ الذي كان يطلق على إحدى المجموعات المسلّحة لجمال زيتوني هو محاولة لإحياء “عهد الجريمة’ لدى أفراد هذه الجماعة الذين رفضوا الالتحاق بالسلم والمصالحة الوطنية.

إن المتتبع لشأن الحركات المسلحة التي تحمل شعار الجهاد في الأقطار الإسلامية يكتشف أن معظم قادتها ليسوا من خريجي الجامعات أو المؤسسات الدينية وإنما هم تجار “ترابندو’ بدءًا من الدخان مرورًا بالمخدرات وإنتهاءً بالأسلحة واختطاف الرهائن، فالمعروف عن بلمختار أنه كان يهرّب السجائر الأمريكية فأصبح مشهورا باسم “المالبورو’، وحين أصيب بشظية في عينه أصبح إسمه “الأعور’ فهل من يسمي نفسه “خالد أبو العباس’ يطلق عليه غيره أسماءً بأوصافه الحقيقية؟

صحيح أن الكثير من زعماء الحركات المسلحة تقربوا من شيوخ القبائل بالزواج من بناتهن حتى يتمكنوا من التغلغل بين أفراد القبيلة، ولكن شكلوا خطرا على هذه القبائل لأنهم حوّلوها إلى أوكار لنشاطاتهم “المشبوهة’، وأغلب هذه الجماعات هي استنساخ للجماعات الأفغانية التي دعّمتها أمريكا والسعودية لتحرير أفغانستان من الاتحاد السوفييتي سابقًا، وقد وجدت في الجزائر مرتعًا لها لأسباب سياسية بحتة.

والمتأمل لما هو موجود في مالي من جماعات مسلحة يتبين له أنه باستثناء الحركة الوطنية لتحرير الأزواد التي تحمل مطالب شرعية فإن بقية المجموعات هي من صناعة الدول العربية والغربية، فأنصار الدين وهي الجماعة الأكثر حضورًا في مالي إنبثقت عن حركة التغيير التي كان يقودها كل من أياد آغ غالي (وهو دبلوماسي مالي سابق في السعودية من أسرة أزوادية)، وإبراهيم باهانغ (وهو أحد المقربين من الزعيم الليبي ومات في ظروف غامضة أثناء الثورة الليبية) وهذه الحركة ظاهرها المطالبة بتطبيق الشريعة وباطنها إستغلال الدول المجاورة لمالي لتحقيق مآرب شخصية.

والغريب هو ظهور حركة أخرى باسم’التوحيد والجهاد’ التي يرأسها محمد ولد نويمر وهي حركة مثيرة للجدل السياسي بين أقطار المغرب العربي لأنها نفذت أول عملية اختطاف لرعايا إسبان كانوا في الصحراء الغربية لمساعدة اللاجئين بهدف توتير العلاقة بين البوليزاريو وإسبانيا والتشكيك في قدرة الجزائر على ضمان أمن الصحراويين، وهي التي اختطفت الدبلوماسيين الجزائريين في مالي العام الماضي، وهي تسعى إلى تضليل الرأي العام بتشكيل سرايا وكتائب شبيهة بالقاعدة في المغرب الإسلامي تطلق على مجموعاتها أسماء مثل: كتيبة أسامة بن لادن، وأبي مصعب الزرقاوي، وقد انفصلت عنها مجموعة تحمل اسم حركة “أنصار الشريعة’ لصاحبها ولد حماها.

 

الحرب من أجل 1300مسلّح؟

تقدّر السلطات الفرنسية عدد المسلّحين في مالي ما بين 1200 إلى 1300 مسلح جندت لمحاربتهم في المرحلة الأولى أكثر من 2500 جندي بأحدث الأسلحة مدعمة بأكثر من 5000 جندي إفريقي، إلى جانب الدعم اللوجيستي البريطاني الأمريكي، والدّعم العربي الإسلامي الأوروبي، فهل أصبح الغرب يحارب الإرهاب من أجل سواد عيون الأفارقة والعرب؟

أعتقد أن المستهدف الأول من هذه الحرب القادمة من مالي لأنه من الصعب على فرنسا أن تمحو من ذاكرتها دولة استوطنتها 132سنة وخرجت منها مهزومة؟ فهل تدرك السلطات الجزائرية هذا الخطر؟

Comments are closed.