الديمقراطية التونسية واختبار “باردو”

المشرف
المشرف

بعد أكثر من أسبوع من الهجوم الإرهابي على متحف “باردو’ بالعاصمة تونس، والذي راح ضحيته 23 شخصا بينهم 20 سائحا، تخيم أجواء الترقب والتوجس من مستقبل العملية السياسية والديمقراطية الناشئة في البلاد.

ورغم التطمينات الرسمية لكبار المسؤولين في الدولة وقيادات الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم وخارجه ودعوتهم للوحدة الوطنية بعيدا عن الانقسامات، فإن توقعات بعض المراقبين تشير إلى أن ارتدادات حادثة باردو لن تصيب فقط القطاعات الاقتصادية وسيكون لها تداعيات سلبية على الديمقراطية الناشئة في البلاد.

ففي أول تعليق على الهجوم الإٍرهابي يوم العملية، قال الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، إن “الاتجاه الذي سارت فيه تونس نحو الديمقراطية سينتصر ولا خوف عليه، وسيبقى علم تونس مرفوعا ورؤوس التّونسيين مرفوعة’.

فيما اعتبر زعيم حركة النهضة التي تشارك في الائتلاف الحاكم، راشد الغنوشي، أن “الحادثة تستهدف المسار الديمقراطي’، داعيا إلى “الوحدة الوطنية’.

بينما رأى الباحث في جامعة تونس، إبراهيم عمري، أن “مستقبل الديمقراطية صار مهددا بفعل هذه الحادثة التي قد تكون نقطة بداية لتفكك المشهد السياسي’.

وقال عمري، في تصريح لوكالة الأناضول، إن “التأثير الكبير قد يمس الوضع السياسي لا سيما أن الديمقراطية في تونس مازالت هشة بحكم عدم اكتمال التشريعات القانونية (عدم المصادقة من قبل البرلمان على بعض القوانين المطلوبة مثل قانون مكافحة الإرهاب) والتعثر النسبي نتيجة الصراعات الأيديولوجية والحزبية سواء بين الأحزاب أو داخل الحزب الحاكم (نداء تونس) نفسه’.

وأضاف العمري: “لقد تعالت الأصوات من هنا وهناك لتجسيد وحدة صماء قد سبق لبورقيبة (الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة) أن فرضها على الشعب التونسي مقابل تحقيق التنمية، ولكن لم تتحقق لا تنمية ولا وحدة صماء إلا لفترة وجيزة تحت الإكراه البوليسي’.

وتابع: “الصراعات والرغبة في الإقصاء والخطاب السياسي المتشنج تنمّ كلها عن عدم ترسخ الديمقراطية بالقدر الكافي’.

وخلف الهجوم المسلح على متحف باردو الذي نفذه إرهابيان معروفان لدى أجهزة الشرطة التونسية مقتل 23 شخصا من بينهم 20 سائحا وعون (فرد) أمن، إضافة إلى إصابة ما يزيد عن 45 شخصا.

ومنذ الحادثة، اعتقلت الأجهزة الأمنية 23 شخصا يشتبه بعلاقتهم بالمسلحين الاثنين المسؤولين عن الهجوم، بحسب تصريحات وزير الداخلية ناجم الغرسلي، الخميس الماضي.

من جانبه، ذهب الباحث في الشؤون السياسية، عبد الله العبيدي، إلى القول بأن “الهجوم الإرهابي سيكون له تأثيرات سلبية على الائتلاف الحاكم والمشهد السياسي بصفة عامة’.

وفي تصريحات للأناضول، قال العبيدي: “الإرهاب أصبح من مكونات المشهد في تونس، وبرز بقوة من خلال العملية الأخيرة (باردو) بل إن الأطراف المتداخلة تحمل مسؤولية تنامي هذه الظاهرة’.

وأضاف أن “الأحزاب السياسية الحاكمة تتظاهر بأنها تؤمن بالعملية الديمقراطية لكسب منافعها لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك’، على حد قوله.

وأوضح العمري أن “التكاتف والوحدة الوطنية لمقاومة الإرهاب لا يعني محاربة الحرية، فمثل هذه الجريمة قد تعطي المبرر للرغبة في العودة إلى مربع الدكتاتورية’.

وتستعد تونس لتنظيم مسيرة وطنية، يوم الأحد، لبيان وحدة الصف التونسي في مواجهة المخاطر الإرهابية، بحسب مشاركين.

وبحسب العمري فإن، “الهجوم على المتحف الوطني باردو في المربع القريب من مبنى البرلمان، والذين فسره المتابعون على أنه تحول نوعي في العمليات التي تنفذها هذه الجماعات الإٍرهابية ضد أجهزة الدولة غذا مخاوف من استغلاله من قبل السلطة لضرب الديمقراطية ومقايضة الأمن بالحرية’.

ومضى العمري بالقول: “المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ومنظمات وإعلام ومؤسسات جامعية وبحثية وغيرها يجب أن يقف سدا منيعا ضد كل انزلاق بدعوى مقاومة الإرهاب’.

ومنذ عام 2012، تلاحق السلطات التونسية مجموعات مسلحة تنتمي لـ’كتيبة عقبة بن نافع’ المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ومتحصنة في جبل الشعانبي على الحدود مع الجزائر.

وتواجه وزارة الداخلية التونسية انتقادات واسعة في تعاطيها مع ملفات بعض الإرهابيين، حيث اتهمت شقيقة مراد الغرسلي المصنف كأحد أخطر الإرهابيين في برنامج تلفازي، أجهزة الشرطة بمطاردة عائلتها، لكن الداخلية نفت ذلك، ورأت أن ما حصل يدخل في إطار التحقيقات.

في المقابل، استبعد الباحث في الشؤون السياسية عبد الله العبيدي عودة تونس إلى مربع الدكتاتورية نظرا لـ’عدم قدرة أي حزب على الاستحواذ على أجهزة الدولة وتطويعها لصالحه’.

وأشار العبيدي في تصريحات لوكالة الأناضول، إلى أن “ذلك لا يعني النجاح في بناء مقومات الديمقراطية’، فهذا المسار قد يصطدم بما أسماه “استبداد الفوضى’.

وفي تعليقه، لفت النائب البرلماني خميس قسيلة عن حركة نداء تونس في تصريحه لوكالة الأناضول إلى أن “ضربة باردو تهدد الاستثناء التونسي والمسار الديمقرطي في البلاد لكن أي محاولة للعودة إلى الماضي ستفشل، فالدولة يجب أن تكون قوية في تعاطيها مع الإرهاب ورحيمة مع مواطنيها’، وفق قوله.

من جانبه، أشار زيار الأخضر، النائب عن الجبهة الشعبية (ائتلاف يساري) إلى أن “الهجوم على باردو يمكن أن يعزز الديمقراطية الناشئة إذا ما أحسنت الأطراف السياسية التعامل مع الحادثة’.

وقال الأخضر: “أقدرأن غالبية الطيف السياسي غير مستعد للعودة للمربع صفر، والمجتمع المدني سيظل قويا، وعلى السلطة أن تفصل بين محاربة الإرهاب والحرية’.

Comments are closed.