الذاكرة والكتابة المنقبية

المشرف
المشرف

 

boumadyin bouzidالكاتب: بومدين بوزيد-  يومية الخبر الجزائرية

هل مازالت الكتابة في مجالي التاريخ والذاكرة محكومة بالرؤية التقليدية المترسبة، فالنصوص المكتوبة إلى اليوم شاحبة وشحيحة. لقد بقيت علاقتنا بالماضي تتسع هوتها، بسبب أن السّلطة ظلت تقدّم خطاباً تبريرياً لتسلّطها وشرعيتها باسم الماضي، باسم الذاكرة. كانت العلاقة مع الزمن عند الأجيال الجزائرية علاقة مشوشة فيها الارتياب والشّك أو النفور والرفض، ومن هذا النفور ما نلمسه من عدم الاهتمام البيداغوجي بالمادة التاريخية في المؤسسات المدرسية والجامعية، قد تعود إلى أسباب بيداغوجية وبرمجية، لكن للعامل النفسي من الهروب من تعليم وتعلّم التاريخ دوره هنا، بحكم أن الذين رسمياً يستندون إلى الذاكرة والتاريخ يحاولون بحثاً عن الشرعية، ورسّخت المعنى الواحد الوحيد الفقير للماضي.

حين تكون الذاكرة جزءاً من الشرعية والسلطة يكون ’عنف الاعتقاد’، وليس ’حجّة الاقتناع’، لتبقى السّلطة تمارس سيادتها، وهنا تمت أسْطرة الماضي الثوري، وأسْطرة الشخصيات التاريخية، فكان التأريخ ’تاريخ مناقب’، شبيه بكتابة فضائل الصحابة ومناقب الأولياء.

خيال وبلاغة المناقب يطبع علاقتنا بالزمن، والعلاقة بالزمن هنا ليس الماضي فقط، لكنه الحاضر والمنتظر، والتداخل له حضوره في رؤيتنا للآخر ولذاتنا وإنشاء التصور المستقبلي.

أرى أننا مازلنا لم ندشن بعد إعادة تشكيل سردنا: ذاكرة، تاريخ، فقه، شعر..إلخ، مازلنا، مثلاً، نهمل القوّة الإبداعية الخيالية الشفهية، وأشكال التعبير غير المكتوبة، منها الأثـر الفني في المعمار والمصنوعات وغيرهما.

إن إعادة تشكيل خطابنا التراثي معناه القراءة والتفسير وفن التأويل، تعدّد المعنى ونقله وترجمته من سياقات ثقافية إلى أخرى مع الإدراك والوعي بذلك، حضوره إلى الحاضر ضمن سياقاتنا الحضارية، مع الإقرار بالمسافة الزمنية والنفسية، الوعي بالشرط التاريخي لتلك السياقات أو هذه، والوعي بالمسافة الزمنية يضمنان لنا تجنّب التعسف في الحكم والاستعمال الخادع للتراث والماضي، الاستعمال غير المبدع، لكنه الخاضع لقناعات عنفية الإقناع الاعتقادي، هي اعتقادية نمطية تريد فرض رؤية واحدة وجعل المعنى واحداً ممتداً، بدل المعاني المتعدّدة واستخدام البرهان كأداة للإقناع.

منذ الاستقلال ظلّ النص واحداً والمعنى واحداً لتراث مازال جزؤه الأكبر غير معروف، مخطوط مهمل في الأقبية والزوايا وعند أصحابها للتبرّك أو مسكوت عنه، أو يحكى لنا عبر سرد الآخر، سرد الآخر حول ذاتنا مهم في العملية التاريخية وفي الوعي التاريخي لوضعنا، غير أن خطاب الآخر المتشكل في ظروف تاريخية معينة ارتبط ببلاغة الخداع والمكر، فالحاجة الإيديولوجية الاستيطانية الاستعمارية تقتضي ذلك. كانت هذه البلاغة تجد سندها المرجعي في ’البلاغة الأنوارية الفرنسية’، التي تلبس لبوسات متعدّدة ومتنوعة الألوان، وتبدو أحياناً زاهية الألوان. ليس النص العقد الاجتماعي في حدّ ذاته (روسو، وجون لوك وغيرهما من فلاسفة الأنوار)، لكن الذين يحتكرون هذا التراث الأنواري يلبسونه ما يشتهون، فمرّة تكون هذه البلاغة الماكرة باسم تحضير وتمدين المتخلف، وهو التبرير الذي قدمه، حينذاك، مثقفو الاحتلال الفرنسي للشعوب المقهورة، ومرّة أخرى باسم العدالة وحقوق الإنسان أو باسم محاربة الإرهاب وإحلال الديمقراطية.

Comments are closed.