السلطة و الثروة و المخ “معطل “لمذا يا ترى؟

بقلم الأستاذ: زهير سراي – باحث أكاديمي و ناشط سياسي جزائري

زهير سراي
زهير سراي

من المعروف جيدا أن مجتمعاتنا قاطبة لا تنعم إلا بالتجديد من زمن إلى آخر ، وأنها تتلهف إلى كل المتغيرات الحضارية من خلال النخب والفئات المنتجة .. وان تاريخنا الحضاري يشهد لها بذلك .. وبالرغم من كل الأزمان الصعبة والمتيبسة التي مرت بها مجتمعاتنا ، فإنها سرعان ما تستعيد حيويتها وأنشطتها بالرغم من كل التحديات التي تمر بها من الداخل والخارج .

إن هذه المبادئ تبدو مستقرة تاريخيا وفكريا وحضاريا في الأدبيات المتوارثة التي يدركها العالم جيدا ، إلا أنها تعتبر في الواقع من المبادئ الجديدة في ثقافتنا السياسية وهي تطرح اليوم من أجل إيقاف ثقافة مناقضة وممارسات هزيلة؛ وعادات سقيمة؛ سادت حياتنا على مدى قرون طوال .. وهي حياة تسلطية من قبل الدولة والمجتمع متمثلة باحتكار السلطة والثروة والحكمة وصنع القرار وبالتالي نفي المشاركة وإرادة الشعب واختياراته وترجيح أهل الثقة على أهل الخبرة وتفضيل المؤيدين والمنافقين والمصفقين على المفكرين والمستقلين بالرأي والموقف .

ومن ثم فان تطبيق هذه المبادئ في مجتمعاتنا ، يحتاج إلى ثورة فكرية وتربوية  جديددة ونهضة ثقافية حقيقية‚ تغير العقول الحاكمة والمحكومة‚ وتنبع من قلب حركة المجتمع المدني  ، ومن مراجعة الذات ونقدها‚ وإعادة النظر في مفاهيمها وطموحاتها في ضوء التحديات التي تواجهها عند مفتتح زمن جديد.

ولعلنا نشير بهذا إلى ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظومة الثلاثية‚ التي تشكل العقل وتصنع الوجدان وتصوغ الأفكار والمواقف ونعني منظومة التعليم والثقافة والإعلام‚ تلك التي تعاني اليوم في الجزائر بالتحديد من قصور واضح وتخلف هائل‚ في ظل هيمنة الدولة واحتكارها وسياساتها الأحادية التي لا مثيل لها إلا في الدول المتخلفة  أكثؤ من الجزائر.كثيرا .

الأمر الذي لا يكابر فيه إلا مكابر يعادي التطور والحرية أذكر أننا نادينا بـ ’ التسارع  في اعادة تصحيح التاريخ ’ وإحداث التغييرات منذ سنوات ! وهو مشروع ’ لا يرنو تقديم وصفات علاجية مؤقتة سرعان ما تتبخر فاعليتها ، بل يدعو إلى إصلاح منظومة مركبة ومعقّدة ، وهو بحاجة إلى زمن طويل وجهد كبير ، ولا ينبغي أن يبقى المشروع الإصلاحي ينتظر أو يتلكأ‚ كما حدث في الماضي بحجة التلاؤم وعدم التعجيل حتى يحدث التطور الطبيعي ، وبحجة أن مشروع الإصلاح هو أمريكي صرف وهذا زيف وبهتان ، بعد أن أضاعت مجتمعانا 60 سنة  كاملة في الانتظار والمصابرة ، وكل العالم يتقّدم بسرعة مذهلة أمام أعيننا ونحن أسرى الترسبات القديمة العقيمة وهي ذرائع مختلفة وحجج مختلفة.

لقد تأجلت خطط التنمية بشكل لا يفهمه أحدا و بحجج لا منطق و لا مبرر لها ، ورفض مطالب الشعوب بالتطوير والتحديث وإطلاق الحريات من قبل الكمظومات الإستنبدادية  بحجة أنها قاصرة جاهلة بحصولها على الحريات ، إذ تنفلت إلى الفوضى وتغرق في الكوارث والصراعات ، ودوما ما تؤخذ اليوم تجربة العراق  و ليبيا و اليمن و تونس و سوريا نموذجا فاضحا. !

لقد دقت أسافينها في مراكبنا العتيقة ، وصحونا في زمن من نوع جديد ، لنكتشف أننا لم نحرر فلسطين‚ ولم نتحرر من إرادة الآخرين ، وفي الوقت نفسه لم نصلح مناهج التعليم ، ولم نحقق تنمية حقيقية تقاوم الفقر والبطالة والتخلف‚ ولم نطبق أنظمة قانونية سليمة تقاوم الفساد والاستبداد ! وبقيت المجتمعات تراوح وتتراجع أيضا من دون أن تخرج من أطواق مواريثها المتعبة التي أبعدتها عن الوعي والتفكير السياسي وصناعة المستقبل مقارنة بما يحصل في مجتمعات أخرى انطلقت نحو الآفاق الجديد

الورطة التاريخية من خلال العجز عن الأداء ، ولم تعد باستطاعة مجتمعاتنا  العربية الالتحاق بركب العصر ! ونؤكد بأن الصالح لهؤلاء وأولئك يكمن في المبادرة ليس بإصلاح البيت من الداخل حسب ، بل الشروع بالتغيير الجذري وبمشروعات وطنية ، وأيدي الأبناء وفكر العقلاء ، وبوسائل سلمية والعمل بمقترحات وخبرات .. وتكون محاولة جادة لوضع إجابات صعبة للأسئلة الأصعب .

وبالرغم من أهمية وجدية أسس الإصلاح وركائز التغيير، إلا أن ثمرتها لا يمكن التمتع بها من دون أن يفّعلها أصحابها ، وخصوصا الحكام (المتسلطين) و الزعماء كونها تبقى مرتهنة بجدية تنفيذها ومدى استجابة الحكومات لما جاء فيها من ’ مضامين ’ على بداية الطريق ، ناهيكم عن الاستفادة من تجارب بعضنا البعض فهناك نماذج عربية حقيقية للتغيير الحضاري.

لقد انقسم الناس حول دور الحكومات بين فريقين :

  1. فريق متشائم يرى أن لا بصيص أمل في أن تبادر الحكومات إلى التنفيذ، وهي حتى لو استجابت فستكون استجابة شكلية ومراوغة ولف ودوران من اجل أن تنجو من ضغوطات الخارج والداخل على السواء  و هذا هو تالفريق الواعي!
  2. و فريق آخر مستفيد من التدهور الفكري و الثقافي و الإقتصادي  يعتقد و يتأمل بالحكومات العمل على تفعيل هذه مبادئ  أحادية و مبرمجة من أجله خصوصا اذ يرى هذا الفريق استعدادا لتجرع الدواء دون دفع الفاتورات

 

هذا ما يجعلني  متشائم جدا من  أي تطبيقات حقيقية تلتزمها الأنظمة السياسية التي تعيش ترهلا وبؤسا وأمراضا كسيحة لا تقوى على أن تتنفس هواء جديدا .. فهل ستتحرك مجتمعاتنا من اجل مستقبل أجيالها ؟؟ وهنا ينبغي الإشادة بتلك النخب المستنيرة التي تتطلع إلى مستقبل من نوع جديد بعيدا عن كل المفبركات والشعارات والإعلاميات البليدة ومجرد البيانات السياسية التي لا نفع منها أبدا .. فهل يمكن لمثل هذا ’ المشروع ’ أن ينطلق عربيا أم أن الإخفاق سيكون نصيبه أو بالأحرى سيغمره النسيان والإهمال كالعادة في غمرة أمواج الجهالة والخديعة ؟؟ .هذا ما ستكشفه الأيام في المستقبل

Comments are closed.