السلفية التونسية: مخاضات التحول

netpear
netpear

رياض الشعيبي

ظهرت السلفية في تونس كتيار اجتماعي منذ نهاية القرن الفائت، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن التقدم والانتشار في تحدٍّ لسياسات التصفية الأمنية التي سلكتها حكومة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي؛ ففي حوالي عشر سنوات من الملاحقة والإقصاء بلغ عدد المساجين من التيار السلفي وخاصة الجهادي منه حوالي ثلاثة آلاف سجين. رغم ذلك مثّلت السلفية قوة شديدة الجذب للشباب التونسي والجامعي منه خاصة. وفي الوقت الذي كانت فيه مختلف الأحزاب السياسية وحتى الجمعيات في تونس تعاني من العزلة داخل المجتمع التونسي وتستمرأ تفسير ذلك بالحصار الذي تفرضه السلطة على أنشطتها، كان التيار السلفي يتجاوز كل الإجراءات الأمنية والحملات الإعلاميّة ويستقطب آلاف الغاضبين من خيارات السلطة ومن الطبقة السياسية عامة. ولم يتوقف هذا الوضع بعد ثورة الحرية والكرامة في مطلع 2011 بل زادت قوته التأثيرية وقدرته على تجميع الشباب.

 

فكيف نشأ التيار السلفي في تونس؟ وكيف تطور قبل الثورة؟ وما أهم التحولات التي عاشها تحت تأثير الثورة التونسية؟ وما هو أفق تطوره في المستقبل؟

 

السلفية في تونس: موجة جديدة

 

ارتبط ظهور التيار السلفي في تونس بعاملين رئيسيين خارجيين وعامل داخلي:

 

انتشار الفكر الجهادي وأخذه بُعدًا دوليًّا من خلال تأسيس تنظيم القاعدة وما تلا ذلك من أحداث أهمها عملية 11 سبتمبر/أيلول 2001 واحتلال أفغانستان ثم العراق وعمليات لندن ومدريد خاص
حصول ثورة إعلامية مكّنت من انتشار الفكر السلفي عبر الإنترنت والفضائيات، مصحوبًا غالبًا بخطاب مباشر بسيط وواضح وبمواقف مُدِينة للظلم والاضطهاد الديني الذي تعاني منه فئات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية.
حصول تصحر ديني داخل المجتمع التونسي بعد تطبيق سياسة تجفيف منابع التدين واستهداف كل مظاهره واستئصال الحركة الإسلامية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي. هذا فضلاً عن ضعف منظومة التدين التقليدي؛ الأمر الذي ترك فراغًا كبيرًا في تلبية حاجات الناس للموعظة الدينية والتوجيه الأخلاقي.
الانطلاقة الحديثة للتيار السلفي في تونس كانت نهاية التسعينيات، وقد تصاحب ذلك مع حملة اعتقالات واسعة في صفوفه من دون تبين في البداية للفرق بينه وبين حركة النهضة، بل حامت الشكوك الأمنية حول إمكانية أن يمثل هذا التيار امتدادًا لحركة النهضة. لكن سرعان ما تبين أن هذا التيار نشأ مستقلاً عن الحركة الإسلامية التقليدية بل وفي العديد من مقولاته متناقضًا معها(1). لقد مثّلت هذه المرحلة ولادة التيار السلفي الأيديولوجي الذي ينتسب في مرجعياته لشيوخ السلفية والجهاد العالمي ضد الاستكبار كما يسمونه. لم يكن ممكنًا قبل الثورة أن تظهر جماعات سلفية متمايزة بسبب التشديد في المنع والعقوبات الجماعية وضعف النضج الفكري والسياسي لأبناء هذا التيار؛ لذلك لم تبرز مؤشرات قوية على تشكيلات متنوعة داخله إلا من حديث محتشم عن سلفية جهادية وسلفية علمية، وكان لابد من انتظار تحولات ما بعد الثورة لرسم الخارطة السلفية بوضوح.

 

أصناف السلفية (2) ثلاثة ليس لها تنظيمات مركزية ولا مراجع فكرية مشتركة إنما في كل صنف مجموعات عديدة (3)، جزء منها تشكّل ذاتيًّا وجزء آخر تحت الضغط الأمني وتأثير السلطة:

 

سلفية علمية مهمتها التثقيف الديني والوعظ والتوجيه، وتُتَّهَمُ أحيانًا بعض مجموعاتها بأنها “مدخلية’ (4) مرتبطة بمهادنة الحكام وتحريم الخروج عليهم. من أهم رموز السلفية العلمية كمال بن محمد بن علي المرزوقي(5) والشيخ بشير بن حسن (6)؛ إذ لم يُعرَف للسلفية العلمية أي موقف مخالف للنظام السابق بل كانت تدعو إلى طاعة نظام بن علي ومن المأثور عليها القول بأن العمليات الاستشهادية التي تقوم بها المقاومة ضد إسرائيل محرمة وهي انتحار.
هذه السلفية العلمية تدفعها أصولها الفكرية إلى اعتبار الحزبية مذمومة مثل العمل الجماعي، وأنهما وجهان لعملة واحدة، أي أن العمل داخل جماعة أو جمعية أو حركة أو حزب هو من البدع التي لا يجوز الإتيان بها.

 

سلفية حركية تندمج في الحياة الحزبية والجمعوية وتقبل بالانتخاب كآلية للتداول على السلطة.
تأسست أول حركة سلفية في تونس عام 1988 تحت اسم -الجبهة الإسلامية التونسية- بقيادة محمد علي الحراثي(7) وعبد الله الحاجي ومحمد خوجة رئيس مجلس قيادة الجبهة الإسلامية التونسية آنذاك.

 

برزت مؤشرات مبكرة على تأسيس هذا التيار نهاية الثمانينيات من خلال الرحلات الجهادية التي ساقت العشرات من الشباب التونسي إلى أفغانستان. لقد مثّل ظهور “الجبهة الإسلامية التونسية’ آنذاك البداية الأولى لتشكل التيار الجهادي في تونس والذي انفصل عنه فيما بعد تيار السلفية الحركية. وفي كل الأحوال هذا التشكُّل المبكر للتيار السلفي لم يصاحبه اختلاف فكري واضح عن التيار الإخواني سوى التأكيد على أهمية التغيير بالقوة والتشكيك في إمكانية التغيير المدني السلمي إلاّ أن أهم عناصره دخلوا السجن أو هُجِّروا في إطار الحملة التي شنّها النظام التونسي على مجمل مكوّنات الحركة الإسلامية.

 

من أهم ما يميز السلفية الحركية:

 

أنها تعتبر العمل التنظيمي مسموحًا به لأن ذلك لا يتعارض مع القواعد الشرعية.
أن المذهب المالكي هو القاعدة الشرعية للتيار السلفي في تونس.
أن نشر الاعتقاد الصحيح من منهاج الكتاب والسنة المحمدية.
الدعوة للمشاركة السياسية العامة لتقليل الشر وتكريس الخير في البلاد.
اعتبار الإسلام منهاجًا وحلاًّ لمشكلات الشعب باعتباره جاء ليُطبَّق في ربوع الأرض والدنيا، وتبني الإسلام المتسامح الوسطى البعيد عن نهج العنف والتطرف.
تغيير الصورة السيئة التي رسمتها وسائل الإعلام وبعض تصرفات المنتمين للعمل الإسلامي، وتغيير الصورة النمطية للإسلام والتي تقول: إن الإسلام ضد حرية الفكر وضد حرية المعتقد للآخر.
بعد الثورة تأسست عدة أحزاب سلفية في تونس على غرار حزب جبهة الإصلاح السلفي (8) وحزب الأصالة السلفي (9) وحزب الرحمة السلفي، وهي تنطلق كلها تقريبًا من نفس الأرضية الحركية للتيار السلفي، وتبدو أقرب لتبني مقولات الحركة السلفية المصرية والكويتية.

 

لكن سلوك العمل الجماعي لم يقتصر على الجانب الحزبي لدى هذا التيار بل تعداه إلى العمل الجمعياتي حيث تنشط عشرات الجمعيات السلفية في مجال العمل الوعظي والخيري خاصة، وأغلبها ينتظم تحت “الجبهة التونسية للجمعيات الإسلامية’ التي يديرها أحد أكثر شيوخ السلفية احترامًا وتقديرًا من أتباعه وخصومه في نفس الوقت، وهو الشيخ مختار الجبالي.

 

سلفية جهادية ذات بُعد دولي -حسب رأيهم- لمقاومة “الحملة الصليبية’ على الأراضي الإسلامية والأنظمة الموالية لها. تستمد السلفية الجهادية راديكاليتها من مقاربة عقدية سياسية تقوم على الحالة الصراعية القائمة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي في فلسطين والعراق وأفغانستان وما ارتبط بها من عدوان واحتلال واصطفاف لبعض الأنظمة العربية مع قوى دولية غازية.
تعود السلفية الجهادية في تونس إلى بداية الثمانينيات على يد مجموعة من الشباب بولاية صفاقس خاصة والذين قاموا بعدد من العمليات البدائية البسيطة انتهت بإيقافهم وقتل وإعدام بعضهم واعتقال الآخرين وفرار بعضهم الآخر إلى خارج تونس. وكان الشيخ محمد الأزرق قد أفتى هؤلاء الشباب بالجهاد وأوجب مشروعية استهداف الدولة وهياكلها إلا أن فشلهم ومحاكمتهم دفعت الشيخ محمد الأزرق إلى الفرار إلى المملكة السعودية حيث كان يقيم من قبل ولكن النظام السعودي سلّمه إلى الأمن التونسي أواسط الثمانينيات حيث حُكِم عليه بالإعدام وقد جاوز السبعين من عمره.

 

بعد الالتحاق بصفوف المجاهدين في أفغانستان في تجربة أولى ضد الغزو السوفيتي؛ انضم العديد من التيار الجهادي التونسي إلى تنظيم طالبان خلال التسعينيات واتخذوا لأنفسهم معسكرًا خاصًّا بهم وقاموا بعمليات نوعية لعل أهمها اغتيالهم أحمد شاه مسعود ومشاركتهم في معركة تورا بورا ضد الأميركان ثم عملية المعبد اليهودي بجربة في 11 إبريل/نيسان سنة 2002.

 

داخل تونس، وفي منتصف التسعينيات ومع عودة الشيخ الضرير الخطيب الإدريسي (10) من المملكة السعودية، وانصرافه للتدريس الديني بمحافظة سيدي بوزيد حيث كان يقيم، بدأ فكر جديد يظهر على الأرضية الثقافية الفقهية الزيتونية ومتناقض مع المشروع المجتمعي للدولة التونسية الحديثة. لكن هذا الظهور بقي محتشمًا بسبب التضييق الأمني والخوف من إعادة تجربة حركة النهضة القابعة في السجون والمنافي حينها.

 

لكن بالتوازي مع حضوره في ساحات المعارك في مناطق متعددة من العالم، ازداد نشاط التيار الجهادي التونسي داخل البلاد منذ بداية الألفية الثانية بالتعبئة والإعداد للالتحاق بالعراق وأفغانستان؛ حيث وقع تجنيد العشرات من الشباب المبهور بقصص البطولات التي تضمنتها أشرطة مصورة عن بن لادن وخطّاب (11) وغيرهم.

 

طبعًا كان هذا العمل موضع رفض شديد من طرف السلطات التونسية؛ وذلك لسببين:

 

أولاً: لما يرومه النظام التونسي من الرغبة في الاحتماء بالإستراتيجية الأميركية لمقاومة الإرهاب لتبرير سياساته القمعية في ذلك الوقت.

 

ثانيًا: للتخوف الذي يكتنف هذا النظام مما قد يمثله هذا التيار من خطر على مستقبله. لذلك تعددت المحاكمات لشباب التيار السلفي الجهادي بناء على قانون 10 ديسمبر/كانون الأول 2003 لمقاومة الإرهاب، والذي يتجاوز كل المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان أثناء الاعتقال والتحقيق، ويصل أحيانًا إلى إجازة الإدانة بناء على أدلة سرية أو الاكتفاء بحديث عابر عن الذهاب للعراق أو نوايا مجردة تتعلق بهذا الموضوع لإقامة المحاكمات وتغليظ العقوبات.

 

هذا التضييق على التيار السلفي الجهادي دفعه لإعادة ترتيب أولوياته، من “الجهاد العالمي ضد الاستكبار’ إلى مقاومة “الأنظمة العميلة’؛ لذلك أسس السلفيون في تونس تنظيم “جند أسد بن الفرات’ الذي قام بعملية سليمان نهاية 2006. فلقد شهدت هذه المنطقة مواجهات عنيفة بين هذه الجماعة المسلحة وقوات الأمن والجيش، أسفرت في النهاية عن مقتل 12 عنصرًا من المجموعة وعنصر أمني وعنصر عسكري، واعتقال العشرات ومحاكمتهم بما في ذلك إصدار أحكام بالإعدام لم تُنفَّذ.

 

وقد كانت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين قد أصدرت، قبل الثورة بمدة قصيرة، تقريرًا أحصت فيه 1208 سجناء من بين التيار السلفي، وقدمت بيانات عن سنهم وانتمائهم الجهوي، وطالبت بإطلاق سراحهم باعتبار انتفاء أركان الجريمة في أغلب قضاياهم، وباعتبار أن محاكماتهم تمت بسبب معتقداتهم وآرائهم.

 

بعد الثورة: طور جديد

 

كان لافتًا، خلال المسيرات التي أججت الثورة التونسية، وجود بعض الصور والمعلقات التي يرفعها شباب ملتحون ومرتدون لجلابيب وقمصان طويلة ونساء منتقبات وبالخمار يطلبون الحرية لبعض الأشخاص من ذويهم المسجونين. وبالفعل كان العفو العام من أول القرارات التي اتخذته الحكومة الأولى بعد الثورة والذي شمل كل المساجين السلفيين بمن في ذلك المحكومين بالإعدام، وأعطى فرصة جديدة لهذا التيار ليعيد بناء دورة فاعليته في الواقع التونسي.

 

بعد الثورة، وجد التيار السلفي نفسه في محيط سياسي واجتماعي جديد، من أهم خصائصه:

 

حصول تغيير لا عنفي للسلطة على عكس المسلَّمات التي انطلق منها في التأكيد على أهمية القتال وتملك وسائله.
حرية التنظيم والتحرك والتعبير، بما مكّن هذا التيار من اكتشاف أطرافه لأول مرة منذ تأسيسه، وبما يسَّر التّواصل المباشر بين قادته وقاعدته وبين الداخل والخارج.
واقع سياسي واجتماعي متحرّك يناقش كل مسلَّماته بما في ذلك الثقافية والدينية وكأنه يكتشف ذاته من جديد.
كان الوعي بهذه المتغيرات واضحًا جدًّا في فكر قياديي هذا التيار وفي سلوكهم السياسي. وقد برز ذلك خاصة من خلال:

 

اعتبار البلاد التونسية أرض دعوة وليست أرض جهاد؛ وهو الأمر الذي يُعتبر تراجعًا واضحًا عن منهج التغيير القسري واستعدادًا للاندماج في النسيج الجمعياتي والحزبي المدني.
المبادرة إلى المساهمة في العمل الخيري والوعظي والخدماتي مستفيدين من مجال الحرية الواسع.
اعتبار معركة الشريعة العنوان الأبرز الذي يرفعونه خلال هذه المرحلة بالنظر للتجاذبات التي أثارها هذا الموضوع في علاقته بالدستور التونسي الجديد.
مثّل الاجتماع الضخم الذي نظّمه هذا التيار بضاحية سكرة أول ظهور قوي له، لكن اللافت أن شعاره كان: “اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا’، في إشارة واضحة إلى وعيه بأهمية الصورة التي يحملها الناس في وعيهم عنه وإلى خطورة الحملات الإعلامية المضادة له. وهو الأمر الذي يعبِّر عن بداية التحول في وعيه السياسي؛ فبعد فكر الغربة الذي صاحب اتجاهاته المُدينة للواقع وللمجتمع ولثقافته، أصبح معنيًّا بفكرة القبول الاجتماعي لأفكاره ورؤاه، وقد تدعّم ذلك فيما بعد من خلال المنحى الخدماتي والإغاثي في مخيمات اللاجئين من ليبيا وفي المناطق النائية في الشمال الغربي التونسي حيث عصفت بهم موجة برد غير مسبوقة، وهو المنحى الذي رافق عمل هذا التيار خلال الفترة التالية.

 

يُعتبر مؤتمر مدينة القيروان، يوم 11 مايو/أيار 2011، والذي ضمّ عددًا مهمًّا من طيف التيار الجهادي التونسي يقدَّر بحوالي 15 ألف شخص، محطة مهمة في تأسيس هذا التيار الذي اختار لنفسه اسم “جماعة أنصار الشريعة’. تلا ذلك ندوة صحفية بجهة شعبية بمنطقة “وادي الليل’ حيث عمقه الجماهيري وبحضور قياداته الجهادية الرئيسية كسيف الله بن حسين (أبو عياض) (12)، وسليم القنطري (أبو أيوب التونسي) (13) أحد القيادات الشابة إلى جانب القيادة الشرعية ممثلة في الشيخ الخطيب الإدريسي. لكن رغم هذا التحرك فقد رفض أصحاب هذه الندوة التقدم بطلب تأشيرة العمل القانوني، وكأن التيار لم يستطع استيعاب التحولات المتسارعة بعد الثورة ولا يزال يتلمس طريقه بين أمسه وغده.

 

التيار السلفي: نقاط رمادية

 

حصول هذه التحوّلات لا يُغني عن تسجيل بعض القضايا التي ما زالت تحتاج إما لوضوح في الرؤية تعميقًا لهذه التحولات أو إشاعة وانتشارًا داخل هذا التيار حتى تصبح ثقافة مشتركة بين كل أنصاره؛ حيث تتردد قضية التكفير ونفي الحق في الاختلاف في بعض مفردات خطابه، وتحاليل لم تستوعب بالكامل ما حصل من تحولات في الواقع التونسي لما بعد الثورة ولا هي منسجمة مع الإشارات الإيجابية الكثيفة التي يرسلها هذا التيار باستمرار. يمكن أن يُفسَّر ذلك بالخاصية الانتقالية التي تطبع كل شيء في تونس الثورة، لكن من المهم التعامل مع هذا الانتقال داخل التيار السلفي الجهادي حتى لا يهدد عوامل نجاح التجربة السياسية الحديثة بجر البلاد لحالة من العنف السياسي (كما حصل في بئر علي بن خليفة وقرب الروحية والسفارة الأميركية، وأخيرًا دوار هيشر) (14). لذلك فإن التيار السلفي مطالب بتجذير منهج العمل السلمي الذي بات يتوخاه منذ مدة ويتجنب الخطاب التحريضي والمتوتر الذي يستحث مخاوف التونسيين من الانزلاق إلى نماذج مجتمعية فوضوية وفاشلة. والأمر البيِّن بالنسبة للتيار السلفي الجهادي أن الاندماج في المنظومة المجتمعية التونسية، والاحتكاك الإيجابي بالواقع، واحترام القوانين المنظمة للحياة العامة، كل ذلك سيفتح أمامه فرصًا كبيرة لمضاعفة فاعلية تأثيره وتطوير أفكاره.

 

_______________

 

* باحث في الحركات الإسلامية بتونس

 

المراجع:
1 مؤلف جماعي- التطور الفكري والسياسي للتيار السلفي في دول المغرب العربي- مركز المسبار للدراسات والبحوث يناير 2011 – حيث يقول الباحث التونسي علية العلاني: ’ بخصوص بنية التيار السلفي في تونس فهو ليس امتدادا لحركة النهضة التونسية، بالرغم من وجود تقاطعات على المستوى الفكري، بل ولد التيار السلفي في تونس في قطيعة مع حركة النهضة، وتراثها الفكري والسياسي والتنظيمي.’
2 أحمد نظيف – تونس: السلفية واخواتها من تراث الحنابلة الى افكار الجهاد مرورا بالوهابية – www.assaa.tn
3 بحسب تعدد شيوخ السلفية تتعدد مرجعياتهم وجماعاتهم، وقد ورد في دراسة: مهدي بن يوسف وسفيان بن صغير – “السلفية في تونس: الواقع وافاق التطور’ ص 47، حصر لبعض شيوخهم وانتماءاتهم الجهوية وتكوينهم مما يؤشر الى اماكن انتشار هذه المجموعات.
4 نسبة الى “ربيع بن هادي المدخلي’ و’امان الله الجامي’، وهي تيار سلفي يعتبر أنه لا يجوز معارضة الحاكم مطلقا، ولا حتى إبداء النصيحة له في العلن، ويعتبرون ذلك أصلا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة. كما أن الجماعة المسلمة في نظرهم هي نفسها الدولة، ومن ثم فالمدخلية تشن هجوما حادا على الجماعات الإسلامية وتصفها بالحزبية. ويعتبر المداخلة أن الحكم بما أنزل الله أمر فرعي، وليس أصلا من أصول العقيدة، وبذلك فإن من يحكم بغير ما أنزل الله ويشرع القوانين الوضعية لا يكون قد ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام بأي حال من الأحوال. لمزيد التوسع في موقف المدخلية في تونس من هذه القضايا يمكن العودة الى: السلفية في تونس الواقع وافاق التطور.
5 أطلق حملة الدفاع عن هوية تونس المسلمة (أهداف الحملة : – الدعوة إلى عدم المساس بمقتضيات الفصل الأول من الدستور والتي تنص على أن “تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها’. و المطالبة بتفعيل مقتضيات الفصل الأول من الدستور والعمل باستحقاقاته على الدولة، وخاصة منها مراجعة المنظومة التشريعية والترتيبية القائمة وتقنينها من كل ما يخالف الدين الإسلامي باعتباره دين دولة.
6 عاد من فرنسا بعد الثورة، ومنهجه مقلد تقليدا كليا لرموز السلفية العلمية في السعودية ومصر.
7 ففي تعليق له على الخطوة التي اتخذتها السعودية في استقبالها للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي قال الحراثي ’إنها تنبع من عرف عربي إسلامي أصيل …وأكد أن السعودية مشت على نهجها الذي تبنته منذ زمن بعيد ولا أعتقد أن فيه مساسا بالشعب التونسي وإرادة الشعب التونسي وليس فيه أي تدخل في الشؤون الداخلية، مشيرا إلى أن استضافة السعودية للرئيس المخلوع هو أمر سيادي جنَّب الشارع التونسي حمام دم لو تمسك واستمات بالسلطة ورفض مغادرة البلاد’.
8 يقوده محمد خوجة احد مؤسسي الجبهة السلامية التونسية في الثمانينات مع مجموعة من المؤسسين الأوائل للجبهة القديمة منهم نوفل ساسي ورفيق العوني وكمال بن رجب وفؤاد بن صالح وعبد اللطيف المغني وخالد بن خالد ومحمد علي الحراثي.
9 رئيسه: علي المولدي: اصيل ولاية مدنين و حاصل عل دكتوراه في القانون الدولي و مشارك في المقاومة الفلسطينية في السبعينات و الافغانية في الثمانينات و محكوم قبل الثورة ب44 سنة سجنا لتهم تتعلق بالإرهاب.
10 شيخ ضرير في السادسة والخمسين من عمره، يلمع اسمه في أوساط الشباب التونسي، ويفتي في الأمور الدينية، له ثلاث كتب هي صفة الصلاة، وكتاب الأذكار، وترتيل القرآن، ومخطوط في تفسير القرآن الكريم
11 سامي براهم: السلفية في مناخ تونسي – www.alawan.org
12 عمره 47 سنة انتقل للمغرب لدراسة الحقوق ثم التحق بالجهاد الافغاني حيث كان المسؤول عن الجماعة المقاتلة التونسية ثم انتقل الى باكستان بعد الغزو الامريكي لأفغانستان، فالذهاب الى سوريا فتركيا حيث قبض عليه وسلم الى تونس سنة 2003 حيث حوكم بعشرات السنوات ولم يخرج من السجن الا بعد الثورة في العفو العام في 20 يناير 2011.
13 برز في البداية كقيادي ثاني في انصار الشريعة لكنه سرعان ما انسحب من هذا التنظيم بسبب ما برز من خلافات معه.
14كلها محطات شهدت مواجهات عنيفة بعضها مسلحا وأسفرت عن ضحايا من قوات الامن والجيش ومن الجانب السلفي الجهادي. لكن لم تتبن اية جهة سلفية صراحة هذه العمليات الا من تعاطف مع ضحاياها السلفيين وحتى اعتبارهم شهداء واتهام للحكومة بالمبالغة في استعمال القوة. وهو ما يعكس حالة المخاض التي يعيشها هذا التيار بين ثقافته التقليدية التحريضية وبين متغيرات الواقع التي لا يستطيع التخلص منها.

 

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

 

Comments are closed.