السويقة بقسنطينة الجزائرية.. حي عثماني يموت في صمت

المشرف
المشرف

يعيش حي “السويقة’ الأثري الذي يتوسط مدينة قسنطينة 430 كلم شرق الجزائر العاصمة، وضعية كارثية جراء الإهمال والنسيان الذي طاله منذ سنوات، والذي جعله يتحول من مزار وإرث تداولت عليه العديد من الحضارات إلى ركام وخراب طمس معالم تحفة فنية بناها العثمانيون قبل 500 سنة.

وقال مسؤول بمديرية التعمير لمحافظة قسنطينة رفض الإفصاح عن اسمه لوكالة الأناضول إن “مشروع ترميم السويقة الذي انطلق سنة 1984 ولم يتم تفعليه على أرض الواقع بسبب مشاكل مالية، لم ينجح بسبب التذبذب في الأشغال وتوقفها في الكثير من المرات، حيث أسندت الدراسة إلى خبراء إيطاليين لم يكن التقرير الذي قدموه كافيا لمباشرة الأشغال، فتمت الاستعانة بمكتب دراسات جزائري لم ينجح هو الآخر في مهمته بعد أن اقتصر عمله على إحصاء بسيط للبنايات ووضعيتها’.

وتابع: “نسبة الأشغال خلال الـ 30 سنة الماضية لم تتجاوزالـ 10 % ومن مجموع 1164 بناية أثرية مصنفة ،180 منها تحولت إلى أنقاض يستحيل استرجاعها و575 بناية قد تسقط في أية لحظة بينما يسكن المنازل المتبقية عائلات حياة أفرادها معرضة للخطر، بسبب التصدعات الكبيرة في الجدران والأسقف شأنها في ذلك شأن المحلات التجارية الموجودة بالحي العتيق’.

وحسب المسؤول نفسة فإن “المرحلة الأولى من الترميم التي خصص لها 15 مليون دولار أمريكي كانت فاشلة ؛ بسبب غياب المتابعة الجادة للورشات وتسجيل أخطاء في عقود صفقات العمل بين الإدارة المحلية والمقاولات ولم تمس الترميمات سوى عدد محدود من البنايات انطلاقا من زاوية سيدي راشد (يرقد بها أحد شيوخ المدينة وأطلق عليه اسم جسر سيدي راشد وهو أطول جسر حجري في العالم تم تشييده سنة 1912) وصولا إلى باب الجابية (واحد من بين 7 أبواب كانت في عهد الدولة العثمانية المداخل الرئيسية لمدينة سيرتا الاسم قديم لقسنطينة)’.

وقال تواتي عبد الحفيظ، أستاذ في الهندسة المعمارية بجامعة قسنطينة، لوكالة الأناضول إن “المخطط الموضوع لترميم السويقة خاطئ لأن اللجوء إلى مثل هذه الحلول في الوقت الراهن من أجل إنقاذها لم يعد ينفع بعد أن أصبحت بناياتها هشة وبالتالي لا فائدة من استصلاحها بل يجب اتباع سياسة التجديد في الفن المعماري مع الإبقاء على الروح داخل العمران الرمزي’.

aa_picture_20150210_4503459_high

هذه الوضعية لم تؤثر على مكانة السويقة عند القسنطينيين (اسم يطلق على سكان مدينة قسنطينة) فحي السويقة التاريخي تدب فيه الحياة والحركة من دون توقف خاصة المدخل العلوي الذي يعرف بالرحبة وهو المكان المفضل لممارسة بعض الأنشطة التجارية مثل بيع حلوة قلب اللوز (نوع من الحلويات التقليدية تشتهر به قسنطينة) وطحن القهوة والحبوب بينما تعد الحمامات الشعبية السمة البارزة في الحي.

وبالرغم من التوسع الكبير الذي تشهده عاصمة الشرق (اسم يطلق على مدينة قسنطينة) وانتشار نقاط جديدة للتجارة العصرية إلا أن محلات هذا الحي التي تختص في بيع المكسرات ومختلف أنواع الحلويات التقليدية واللحوم لا تزال تحافظ على مجدها القديم ولا أحد من سكان قسنطينة يتخلف عن زيارتها والتجول بين أركانها وزواياها لاسيما في المناسبات كالأعياد وشهر رمضان، حيث تنبعث روائح لا يوجد منها الاصطناعي بل كل ما هو تقليدي ويعكس العادات التي توارثها القسنطينيون عن مختلف الحضارات التي تداولت على المنطقة خاصة الدولة العثمانية.

وقال السيد مختار، أحد السكان السابقين للحي للأناضول: “واحسرتاه على الوضعية التي آلت إليها السويقة لقد تهدمت جميع منازلها وطمست معالمها، أين هي السلطات لإنقاد ما تبقى من مدينة مرت عليها الحضارات وسكنها البايات وأحبها العلامة ابن باديس (علامة وقائد النهضة الفكرية بالجزائر) وألهمت الفنانين والكتاب وأبدع في تصويرها الرسامون’.

وأضافت سيدة كانت تستمع إلى حديث مختار: “بالرغم من كل هذا إلا أننا لن نتخل عن هذا الحي وسنزوره دائما لأنه بالنسبة لنا مثل الفيروس المستحب ويذكرنا بأجدادنا وتاريخنا الذي لن يموت’.

وأوضح فيلالي عبد العزيز، المختص في التاريخ بجامعة قسنطينة في حديثه لوكالة الأناضول: “حي السويقة يعتبر ذاكرة للقسنطينيين وهو مرتبط بمظاهر حياتهم الاجتماعية والثقافية منذ قرون ولا يزال إلى الآن يحتفظ بطابعه العثماني وهو ما نجده في غالبية مبانيه التي تعود إلى القرن 17 ميلادي’.

وأضاف فيلالي: “بالرغم من المحاولات العديدة للقضاء على هوية هذا الحي من قبل اليهود الذين عاشوا فيه لأزيد من 4 قرون قبل أن ينصهروا في عادات أهلها وكذلك المستعمر الفرنسي الذي حوّله إلى بؤرة للفساد عندما فتح فيه العديد من بيوت الدعارة بمجرد احتلاله لقسنطينة سنة 1837 بهدف طمس معالمه وإبعاد المسلمين عن دينهم، لكن الحي استعاد هويته الإسلامية بعد حركة الإصلاح التي قادها العلامة عبد الحميد ابن باديس سنة 1920 ولا يزال يحتفظ بها إلى يومنا هذا “.

Comments are closed.