المأساة الجزائرية

netpear
netpear

عمر عاشور

إكستر ــ في تعليق على أزمة الرهائن الأخيرة في الجزائر على قناة إخبارية دولية شهيرة، قال أحد “خبراء’ مكافحة الإرهاب: “تأسس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بسبب ما يسمى بالربيع العرب…بعد أن تخلينا عن حليفنا الليبي (العقيد معمر القذافي).’ وبعد أن تحملت بضعة أخطاء فادحة أخرى، شعرت بأنني مضطر إلى تنحية أوراق الطلاب التي كنت أقـيّمها جانبا والشروع في كتابة مقال.

 

ولنبدأ بنافلة القول: تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ليس نتاجاً للربيع العربي. تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي نتاج إنهاء “الربيع الجزائري’ بانقلاب عسكري قبل عقدين من الزمان. ولم تتعزز قوة التنظيم بفعل الثورة الليبية، بل بسبب فشل جهود بناء الدولة في شمال مالي، وغياب المصالحة الوطنية الحقيقية في الجزائر ، والفشل في إعادة دمج المقاتلين السابقين، وعدم مساءلة مؤسسة أمنية غامضة، أثبتت أساليبها الوحشية قصورها الفادح في مواجهة التحديات.
وبوسعنا تتبع تاريخ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بشكل مباشر إلى الانقلاب الذي نظمته حفنة من الجنرالات ضد الرئيس الإصلاحي الشاذلي بن جديد في يناير/كانون الثاني 1992. الواقع أن بن جديد، الذي نشرت مذكراته مؤخراً (توفي في أكتوبر/تشرين الأول)، قدم للجزائر أول دستور ديمقراطي نسبيا، وهو الدستور الذي رفع الحظر عن الأحزاب السياسية وضمن حداً أدنى من الحقوق الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، والتجمع، والرأي. وكان بن جديد أول رئيس عربي ينتقد على قنوات التلفزيون المملوكة للدولة (وذلك من دون ان يختفي المنتقد في وقت لاحق). وكانت الجزائر بالفعل أولى دول الربيع العربي.
ولكن الربيع زال سريعا. فخوفاً من تهديد إمبراطوريتهم الاقتصادية الشاسعة وقبضتهم على السياسات العليا، قررت مجموعة من الجنرالات إنهاء الإصلاحات، فألغوا نتائج أول انتخابات برلمانية ديمقراطية في الجزائر، وخلعوا بن جديد من السلطة. وفي الغرب، كانت الرواية السائدة هي أن جنرالات الجيش “التقدميين’ منعوا تقدم الجبهة الإسلامية للإنقاذ “الأصولية’. ولكن هذه الرواية لا تفسر لماذا سارع الجنرالات إلى التحالف مع مجموعة “أصولية’ أخرى (فصيل من جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، سُمِيَ حينئذ حركة المجتمع الإسلامي) وأعطوا قادتها العديد من المناصب الوزارية.
وبعد ثمانية أشهر من الانقلاب، في سبتمبر/أيلول 1992، تأسست الجماعة الإسلامية المسلحة، وسرعان ما اجتذبت المؤيدين والأنصار من كل مناحي الحياة، بما في ذلك عناصر إجرامية وعملاء الاستخبارات الجزائرية. وبحلول عام 1998، لم يعد الهدف الأساسي للجماعة الإسلامية المسلحة الجيش، بل المدنيين، وأقارب الزعماء المنافسين، ومعاقل الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وقد وثق باحثون غربيون وعرب 642 مذبحة بين عامي 1992 و1998. الأغلبية المجازر وقعت في مناطق صوتت لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 1991، فيما سماه الباحثون “تطهير انتخابي.’ وأعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عن بعض المذابح. ولكن رموز المعارضة، وضباط استخبارات جزائريين سابقين، ودبلوماسيين سابقين اتهموا المؤسسة العسكرية بالتواطؤ أو حتى المسؤولية المباشرة عن مذابح أخرى.
ثم انشقت إحدى كتائب الجماعة الإسلامية المسلحة في منطقة القبائل شرق الجزائر، و أطلقت على نفسها اسم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وأدانت تصرفات الجماعة الإسلامية. ثم نبذت مجموعات من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الأساليب المسلحة وفاوضت نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي وعد بالمصالحة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، والتحقيق في أكثر من عشرة آلاف حالة اختفاء، وإعادة الإدماج الاجتماعي، و اعتبار الحقوق السياسية، والسيطرة المدنية على القوات المسلحة – وهو الأمر الأكثر أهمية.
وعلى الرغم من تفعيل ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في عام 2006 (الإطار القانوني لهذه القضايا) فإن أغلب الوعود لم توف. وكان الإحباط سائدا، وصرح بعض قادة المقاتلين السابقين علناً بأن النظام لم يحترم التزاماته، وأن عملية المصالحة كانت مجرد خدعة.
وبحلول يناير/كانون الثاني 2007، انبثق تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عن فصيل من الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ذلك الفصيل الذي لم ينزل من الجبال. وأغلب الذين وردت أسماؤهم في سياق متصل بأزمة الرهائن الأخيرة انضموا إلى ذلك الفصيل. ومن بينهم مختار بلمختار، الذي مر عبر جميع مراحل النشاط الإسلامي المسلح، من أفغانستان إلى الساحل الإفريقي؛ وعبد الحميد أبو زيد، الذي بدأ كناشط سياسي في حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وحمل السلاح رداً على انقلاب 1992، ثم أصبح خاطف رهائن شهير ومسؤولاً عن أحد كتائب الصحراء في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وبرغم كونه فصيلاً منشقاً عن فصيل منشق عن الجماعة الإسلامية المسلحة المنحلة، فإن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أظهر قدرته العملياتية في ديسمبر/كانون الأول 2007، عندما استهدف مقر الأمم المتحدة في الجزائر والمحكمة الدستورية الجزائرية في نفس الوقت، فقتل 41 شخصاً وأصاب 170 آخرين بجراح.
وبحلول عام 2009، كان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بدأ يتعلم من أخطاء منظمته الأم، الجماعة الإسلامية المسلحة، ومنظمته الشقيقة: القاعدة في العراق. فتنظيم القاعدة في العراق لم يفشل في دمج نفسه في السياق المحلي فحسب، بل وبدأ أيضاً في تصفية خصومه المحليين، الأمر الذي أدى إلى اندلاع ثورة ضده من قِبَل قبائل سُنّية مسلحة في عام 2007. وعلى النقيض من هذا، بذل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي جهوداً منظمة لتوطين نفسه، فتزاوج مع الطوارق المحليين في شمال مالي وتبنى قضاياهم السياسية، مثل قضية الانفصال.
ويعمل المقاتلون الذين يثيرون المشاكل اليوم في مالي، والذين يقدر عددهم بنحو 1200 مقاتل، في منطقة تعادل مساحة فرنسا تقريبا. وفي محيط مناصر لهم، سَتَسْهُل ممارسة حرب العصابات التي تعتمد على توجيه الضربات ثم الاختفاء. وينبغي للغرب أن يضع نصب عينيه ضرورة مساعدة الحكومة المالية في الأمد البعيد في بناء مؤسسات الدولة والمصالحة مع سكان مالي في الشمال.
لقد تأخرت عملية إصلاح القطاع الأمن في الجزائر كثيرا ــ وبخاصة زيادة الشفافية في عمليات اتخاذ القرار وآليات المراقبة و المحاسبة. وعلى أية حال فإن الحكومات الغربية وغيرها مدينة لأسر العمال الأجانب التسعة والثلاثين الذين قتلوا أثناء أزمة الرهائن بالإجابة على السؤال الآتي: هل كان إنقاذهم في تلك الأزمة كان ممكناً أم لا؟
وتستحق أسر الضحايا الجزائريين الإجابة من الحكومة الجزائري، كما تستحق الإجابة على نفس السؤال أسر الأكثر من 150 ألف مواطن جزائري الذين راحوا ضحية الحرب الأهلية التي بدأت بالتحول بعيداً عن الديمقراطية قبل عقدين من الزمان. وكما أظهرت الأحداث الأخيرة، فإن بقايا هذه الحرب لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
ترجمة: هند علي

 

Comments are closed.