المرزوقي.. “العلماني الوحيد” الذي قبل بالتعايش مع الإسلاميين (بروفايل)

يبقى المرزوقي، هذا اليساري الذي لا يجد حرجا في العمل مع الإسلاميين، والقومي الذي يعارضه كثير من القوميين، لكن لا أحد يختلف على إيلائه طيلة حياته السياسية ملف الحريات أولوية قصوى

المشرف
المشرف

يعتبر المنصف المرزوقي “العلماني الوحيد’ في تونس الذي تربطه علاقات جيدة مع الإسلاميين منذ بداية الألفية الثانية لما كان منفيا في العاصمة الفرنسية  باريس، بالنظر إلى المقولة الرائجة هذه الأيام في تونس بأن الإسلاميين والعلمانيين في تونس “خطان متوازنان لا يلتقيان’.

يقول المرزوقي في أحد حواراته الصحفية: “أغلبية قيادات النهضة الثقة بهم كبيرة وغفروا لي  أني علماني حقوقي ولست إسلاميا ويعرفون أيضا  أن لا احد يزايد علي في العدالة والحرية،  والطرف الآخر من البرجوازية والفرنكفونية والحداثية فيها أغلبية  يغفرون لي  أيضا علاقاتي بالإسلاميين’ ويعتبر أن “العلماني الوحيد الذي يستطيع الجمع بين هذين الطرفين هو شخصي المتواضع’.

وفي سياق متصل يقول للأناضول، “أنا من شباب السبعينيات، كنا كلنا يساريين قوميين أو يساريين لأنه لم يكن هناك  لا ديمقراطيين ولا إسلاميين،  الشباب الثائر كان إما يساري وإما قومي، وأنا كنت الاثنين، كان عندي طرح قومي وطرح يساري، ولكن في الثمانينيات، غادرت القوميين واليساريين لأنني اكتشفت أن جزءً أصبح مهوسا بالعداء للإسلاميين والقضية الطبقية والاجتماعية والفقر والتهميش أصبحت ثانوية بالنسبة إليه، وهذا أدى في نهاية المطاف إلى التحالف مع الدكتاتورية في التسعينيات، وأنا اعتبر أن ذلك كان انزلاقا وأنا يساريتي تعني الوفاء للفقراء وللطبقات المسحوقة’.

من هذا المنطلق، تبنّى المرزوقي توجّها علمانيا يساريا يقدم “الاجتماعي على الإيديولوجي “، فمحاربة الفقر لا تفرض شرط الالتقاء الإيديولوجي أو لعله اختار ذلك لأنه لم يكن معنيا مباشرة بصراع أواخر السبعينيات الطاحن بين الإسلاميين والشيوعيين في رحاب الجامعة.

ينتمي المرزوقي  (69 عاما)  كذلك  للعائلة اليوسفية والتي عارضت بشدة برئاسة صالح بن يوسف، خلال استقلال تونس عن فرنسا، الرئيس السابق الحبيب بورقيبة ولكن عمد ومنذ توليه رئاسة الجمهورية في 2011 إلى ترميم صورة بورقيبة و إعادة الاعتبار لشخصه ويحسب له أنه وبالرغم من عدائه للرجل إلا أنه من القلة التي أصرت على الحضور في موكب دفنه وهو مطارد من قبل رجال بن علي سنة 2000 .

يرفع المرزوقي في حملاته الدعائية قبل جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية شعار ’ الضامن للحريات ’ معتبرا أن عودة  منافسه الباجي قائد السبسي للحكم هي ’عودة للتظام القديم وقمع الحريات’ ويصدر خصاله بكونه ’ لم أسجن أي صحفي ولم أغلق أي مؤسسة إعلامية طيلة تواجدي في الحكم’.

تاريخ المرزوقي كرئيس، يعد حافلا بالقرارات والتي تعرض بسببها إلى سخط والاستحسان في ذات الوقت بين التونسيين خصوصا فيما يتعلق بملفي سياسة تونس الخارجية مع سوريا ومصرـ حيث اتخذ موقفا مناهضا من النظامين في البلدين.

ففي أبريل 2011 أمر المرزوقي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا بعد الأحداث الدامية التي عرفتها دمشق وطرد سفيرها من تونس.

وفي 26 سبتمبر 2013، وأثناء كلمته في الدورة 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، طالب الرئيس المنصف المرزوقي السلطات المصرية بإطلاق سراح الرئيس المعزول محمد مرسي وفتح معبر رفح مع غزة بسبب “المشاكل التي تواجهها فلسطين وأخواتنا هناك’، على حد قوله وتخفيف الحصار عنها، ما ادى لقيام مصر باستدعاء سفيرها في تونس، احتجاجا على ما صرح به في منبر الأمم المتحدة ، وتبعتها في ذلك الإمارات التي استدعت بدورها سفيرها في تونس على خلفية تصريحات المرزوقي بشأن مصر.

قراران أسالا  وابلا من الانتقادات الداخلية مصدرها القوى السياسية التونسية والخارجية لم تتوقف إلى اليوم خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالجالية التونسية المقيمة بسوريا والتي وقع حل مشكلتها في 2014 بفتح مكتب اداري لشؤونها ومصالحها بدمشق.

مواقف المرزوقي في الشأن الإقليمي صاحبتها تقلبات داخلية في علاقته خاصة بحركة النهضة، الطرف الأول في الترويكا الحاكمة وكذلك شق المعارضة.

وبرزت قضية تسليم البغدادي المحمودي (أحد رجال الرئيس الليبي معمر القذافي) للسلطات الليبية في صائفة 2012 كأول صدام بين المرزوقي وحركة النهضة ولم يدم شهر العسل سوى أشهر معدودة، لما اعتبره الرئيس تجاوزا لصلاحياته حين اعتبر أن حكومة حمادي الجبالي آنذاك لم تستشره ولم يكن على علم بالموضوع حيث كان في زيارة لمناطق بالجنوب التونسي .

كتب المرزوقي بعد سماعه بالحادثة استقالته في الطائرة وهو عائد للعاصمة لكنه عدل عنها مرجحا “كفة مصلحة تونس’، وفقا لتصريحاته . لكنه لم ينتظر كثيرا ليرد بطريقة غلب عليه التشنج عندما بعث برسالة مكتوبة خلال مؤتمر حزبه بالعاصمة تونس في أغسطس 2012 ونعت فيها ممارسات حركة النهضة في الدولة بأنها’ الشبيهة بممارسات بن علي’ مما اضطر بعض قيادات النهضة الحاضرين للمغادرة.

وفي الوقت الذي يرى البعض أن اليسار يعاقبه اليوم على “تحالفه مع النهضة’ بدعم قايد السبسي، ويدعون إلى “قطع الطريق’ أمامه للوصول إلى قرطاج انضمت مجموعة قليلة من اليسار إلى حملته من أشهرهم المحامي العياشي الهمامي.

ويبقى المرزوقي، هذا اليساري الذي لا يجد حرجا في العمل مع الإسلاميين والقومي الذي يعارضه كثير من القوميين، لكن لا أحد يختلف على إيلائه طيلة حياته السياسية ملف الحريات أولوية قصوى.. وسبق ان قاد رابطة حقوق الإنسان دون أن يصبح وزيرا زمن زين العابدين بن علي،  بل كلفه ترشحه لانتخابات الرئاسة سنة 1994 “الإقامة’ في زنزانة لمدة شهرـ وهي مواقف لقيت كما يرى الكثيرون من متابعي الشان التونسي تقديرا من الخارج أكثر من الداخل.

ويبقى أيضا السؤال الملح هذه الأيام: هل تنفتح أمامه أبواب قرطاج ثانية يوم 21 ديسمبر الحالي أم يتحول إلى قيادة  معارضة راديكالية متمسكة بشعارات ثورة البوعزيزي، أم يعود إلى كتبه ليؤلف المزيد منها؟.

Comments are closed.