”النار تُخلّف الرماد”

netpear
netpear

يقول المثل الشعبي الجزائري ’النار تخلّف الرماد’، ورغم بساطته إلا أنه يحمل أكثـر من معنى، وعادة ما يطلق على الرجل الذكي والفطن والفحل، عندما يخلّف وراءه أبناء عديمي الإرادة والرؤية، يضيّعون كل ما تركه لهم من ميراث، سواء مادي أو أخلاقي. وكم ينطبق في الوقت الحالي هذا المثل كثيرا على واقع الدولة الجزائرية، خاصة ونحن نحتفل بالذكرى الخمسين للاستقلال، هذا الاستقلال الذي انتزعه أبناء الجزائر بالدم والنار، واستطاع هذا الشعب البسيط أن يركِّع أعتى قوة استعمارية آذناك، فماذا خلّف وراءه هذا الجيل المبارك؟ وماذا تركت تلك النار التي كانت تلتهب إرادة ورغبة في بناء الجزائر؟ وأين تلك القلوب التي اجتمعت من أجل إقامة دولة جزائرية مستقلة، على أسس العدل والمساواة والحرية، لم تترك هذه النار إلا الرماد.. رماد في كل مكان، فعلى المستوى الأخلاقي يعيش المجتمع الجزائري انحلالا لا مثيل له، حتى أصبحت الجريمة حديثه اليومي، والكذب قوته والكسل والاتكال دينه، والنفاق صفته الأساسية والسرقة رزقه.. ورماد من حيث الإنجازات، فكل المشاريع الكبرى التي انطلقت فيها الدولة منذ الاستقلال تحولت إلى رماد، أو تم بيعها عن قصد أو غير قصد باسم الخوصصة، أو مشاريع القرن التي استغرق إنجازها سنوات، ولم تضف للمواطن إلا مزيدا من المعاناة لأنها لم تنجز بصفاء ووطنية ورغبة خدمة الشعب والجزائر، لكن لمزيد من النهب.. لتخرج الدولة بعد 50 سنة بلا رصيد، إلا اغتناء بعض الأفراد وفقر غالبية الشعب ..  لكن أكثر مشاريع القرن التي فشلنا في إنجازها وأدت إلى ما نحن فيه، هي مشروع بناء الدولة الجزائرية الحديثة، التي كان من المفترض أن تكون نتيجة الثورة التحريرية الكبرى.. الدولة الجزائرية بمؤسساتها وقوانينها ورجالاتها وإنجازاتها. الدولة التي تبقى واقفة مهما تغيّر الرجال أو رحلوا.. دولة احترام الحقوق والواجبات.. دولة القوانين التي لا تتغير بتغيّر المسؤولين والوزراء والمدراء.. دولة الدساتير التي لا تتغير بتغيّر مزاجات الحكام أو حقب النظام.. دولة لا تستعمل الدستور الذي يسيّر مقدرات الشعب ومستقبل الأجيال ويضمن الحقوق ويسهر على الواجبات، كاستعمال جوارب الرئيس، التي يغيّرها وفق الفصول أو لون الأحذية التي ينتعلها، والبدلات التي يلبسها.. لقد فشلنا في إقامة دولة المجتمع المدني الذي يحفظ التوازن في القوى ويراقب ويحاسب وينشط ويعارض، وتفوّقنا في بناء مجتمع الجهوية والعشائرية والعصبية والقبائلية الذي يدعم محيطه وأفراده حتى وإن بلغ السيل الزبى وطفح كيل الفساد وأصبح بعبعا .. لقد نجحت الثورة في لم شمل الشعب بكل أطيافه، ونجح الاستقلال خاصة في السنوات الأخيرة في إعادة فتح أبواب التفرقة و’سياسة لي كولون’ و’بن عميست’. إننا نقف مشدوهين أمام تصرف رئيس فرع كرة القدم لمولودية العاصمة، الغريب جدا مثل اسمه، الذي رفض الصعود لتسلّم كأس الجمهورية، وقال بعدها للصحافة ’عندما يأتي الرئيس نتحدث’.. أليس الرئيس رئيس كل الجزائريين؟ والجزائر لكل الجزائريين؟ سيذهب الرؤساء وتبقى الجزائر يا سيدي.. هذا تصرف مدير في فريق كرة قدم فماذا لو كانت هذه عقيدة الكثيرين؟ نعم لقد زرع النظام فكرة أن الرئيس للبعض، لأن البعض من يأتي بالرئيس، كما قسمنا مقدرات الجزائر بين البعض وقلنا للشعب انتظر التغيير.. فعلا النار تولّد الرّماد.. لكن كثرة النبش فيه تولّد النار ..

المصدر: الخبر الجزائرية

Comments are closed.