النبش عن “الكنوز” غربي تونس.. طريق للثروة أم درب للموت؟

يتواصل النبش للبحث عن الآثار و”الكنوز” في البلاد عامة وفي محافظة القصرين خاصة لاعتقاد النباشين أن كنزا ما مدفون ولا بد من استخراجه في المحافظة التي تحتوي على حوالي 25% من الآثار الرومانية

المشرف
المشرف

رجل مطمور تحت التراب على عمق قدر بـ30 مترا هرعت فرق الإنقاذ في محاولة لانتشال الجثة، قالت مصالح الحماية المدنية إنها “مهمة مستحيلة’ ما اضطرها لترك الجثة تحت التراب، واقتيد رفقاء صاحبها للسجن بشبهة جنائية.

حادثة بدت غريبة استيقظ عليها أهالي منطقة “قوبل’ من محافظة القصرين، غربي تونس في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2013.

الرجل الذي أطلقت عليه أسماء عديدة أبرزها الصفاقسي أو “صياد الكنوز’ لم يكن يعمل في مجال الإنشاءات بل كان في رحلة بحث عن “كنز’ موعود قادته من محافظة صفاقس الساحلية، شرقي البلاد، إلى محافظة القصرين غربا لينتهي جثة تحت التراب.

حادثة أعادت إلى الأذهان ظاهرة قديمة، هي النبش للبحث عن الآثار وعن الكنوز في البلاد عامة وفي محافظة القصرين خاصة حيث تقول وزارة الثقافة إن تلك المحافظة تحتوي على حوالي 25% من الآثار الرومانية وتحتل المرتبة الثانية في الآثار المحمية والمبوبة كمواقع أثرية ذات صبغة خاصة.

وتخضع آثار القصرين لإشراف وحماية المعهد الوطني للتراث (حكومي) الذي أنجز خرائط تثبت أن القصرين تضم ما لا يقل عن 3000 موقع أثري منها 102 موقع اعتبرها المعهد ذات قيمة تاريخية فوضعها على قائمتة للمواقع الـ’محمية’.

هذا الامتداد الهام للمواقع الأثرية خلق من يعرفون بـ’النباشين’ ويعرفهم آخرون بـ’صيادي الكنوز’ ويراهم آخرون “لصوص أثار’ ويزيد آخرون أنهم “لاهثون وراء وهم’، لكن هؤلاء لا يزالون يقلبون الحجر وينبشون التراب وأثرهم يدل عليهم في كل المواقع الأثرية.

أحد الذين سجنوا بعد الحادثة، طلب عدم ذكر اسمه، روى للأناضول قصة الحفرة والبحث عن الكنز التي انتهت به إلى السجن “قبل سنوات طويلة اكتشفنا بئرا عميقا وهي من الآبار التي تعود للحقبة الرومانية وفقا لبنائها أثارت عندي مجموعة من الشكوك تدعمت بوجود آثار حول الموقع’.

ويضيف أنه بعد مدة قدمت مجموعة عرضت المشاركة وذلك بأخذ صور للمكان وعادوا بعد مدة مصحوبين بمن عرف بعد ذلك باسم “رضا’ وأخذ كنية الصفاقسي بعد الإطلاع على الموقع، أفاد أن البئر يمثل فخا وأن الطريق يبدأ من مكان آخر، فيما بعد عثر على نقيشة على صخرة تشبه أثار قدم الأسد.

ويتابع: “تم جلب براميل كبيرة مثقوبة من جهتين لاعتمادها في حماية الحفرة من زحف الرمال وأشعنا أننا بصدد حفر بئر وبدأنا الأشغال التي دامت أشهرا طويلة’.

وعن الطريقة والطقوس، يقول: “يقوم الصفاقسي بتحصين المجموعة التي ستشارك في عملية الحفر باعتماد ورقة مكتوب عليها بعض من القرآن نسمع منه جزء عندما يقرؤه ولكن الباقي غير مفهوم ويأخذ قارورة ماء يرش محيط الحفرة كتعويذة’.

ما يصر عليه المتحدث هو تطابق ما أخبرهم عنه الصفاقسي وما وجدوه أثناء الحفر نفس العلامات علامات تزيد في قناعته بصحة وجود الكنز خاصة أن الرجل أظهر بعض البركة إذ يحس بمن يبغضه ويعلمه بذلك كلما التقاه.

ليزيد حجته يقول المتحدث: “في كل مرة كنا نستعمل البراميل لتحول دون نزول الرمل ونجحنا في ذلك إلى عمق حوالي ثلاثين مترا وفجأة غطي الرمل الرجل وهو في أسفل الحفرة، فقد تسرب الرمل من الأسفل حيث ظلت الحفرة على عمقها مكشوفة وعميقة’.

“هي إذن حادثة لا تجد ما يبررها علميا حيث لا يمكن أن يكون انهيار الرمل من الأسفل وأن يغطي ارتفاع أكثر من مترين وأن يتخذ تسرب الرمل شكلا عموديا، وهذه الظاهرة لا يحدثها إلا الماء’، وهذا ما يجعل المتحدث مقتنعا أن الكنز موجود وأن قوة خارقة من الجن تدخلت ودفعت الرمال إلى الأعلى، حسب ما يعتقد المتحدث.

ووفقا لروايته قد يكون الرجل فشل في تحصين نفسه ولم يتحضر جيدا لمواجهة الجن الذي يقوم بحراسة الكنز وهو ما يؤدي إلى مثل هذه الحوادث عند استخراج الكنوز.

عملية تطويع المانع تتطلب قدرات خارقة وتحصينا وحتى بعض الأبخرة أو التعاويذ قد يكون افتقدها الرجل فأغلقت الحفرة وانتهت حكاية هذا الكنز.

لكن نباشي الآثار لا يزالون يحومون حول الحفرة وتدل عليهم أثار النبش في مناطق قريبة ومنها أثار حديثة تؤكد أن كثيرين يعتقدون، رغم ما حدث، أن كنزا ما مدفون ولا بد من استخراجه والدليل أنه أثناء قيام الجرافات بمحاولة انتشال الجثة كشفت عن جرة تناثر محتواها من القطع النقدية البرنزية في المكان وهرع الحاضرون لالتقاط ما تمكنوا من التقاطه قبل أن يغمره تراب الجرافات.

لا يختلف (ا. م) كثيرا عن سابقه هو من المؤمنين أن هذه الهناشير (موقع أثري) غنية وأن الحظ وحده يقف حائلا دون اكتشاف كنز يغير من حياته، يقول للأناضول “كثيرون ممن أعرف اهتمامهم المتواصل بالنبش تغيرت أحوالهم بشكل مفاجئ والسرّ في الجرة (عادة ما يعتقد أن الكنوز تكون مخفية في جرة)’

ويضيف ’ تعرفت إلى أحد المغرمين بالنبش عن الآثار طلب مني أن آخذ من مكان ما من الهنشير عينة من التراب من 10 مواقع وأرقمها وأثبت مكان كل عينة.. أعطيته العينات جاء الرد بعد مدة الحفر في مكان إحدى العينات… والتنبيه أنك ستعثر على شيء مدفون وقد يكون حتى قبر إنسان.. والنصيحة ان استعمل قليلا من العنبر كبخور لتطييب الرائحة’

لا تبدو الحكاية مغرية ولكن المفاجئ أنه عند الحفر عثر فعلا على قبر متمثلا في صندوق حجري كما عادة القبور القديمة وهو ما يزيد في إقناع محدثنا أن البعض قادر على تحديد أماكن الكنز وفي المرة القادمة سيكون اختيار المكان أفضل.

تسعفنا الشبكة العنكبوتية للتأكيد على هذه الطريقة شيخ مغربي يقدم نفسه على موقعه على الإنترنت باسم الشيخ الروحاني السوسي المغربي أبو عبد النور له قدرة على فك الرموز والمساعدة على إيجاد واستخراج الكنوز.

السوسي كانت إجابته لأحد التونسيين الذي طلب المساعدة في تفسير رموز موجودة بموقع أثري كالتالي “خذ سبع حفنات من تراب الموقع من سبع مواقع مختلفة ليست بعيدة عن بعضها وتضع كل حفنة في كيس بلاستيك صغير وترقمهم من واحد إلى سبعة وانتظر يوم الاثنين وتكون قد صمت يوم الأحد والإثنين صياما شرعيا مع الرياضة التامة (الرياضة التامة وفقا له الامتناع عن أكل أي شيء خرج من الروح كاللحم أو الأسماك) وتفطر على خبز الشعير وزيت الزيتون والخضروات والفواكه، يوم الاثنين تأخذ حفنة صغيرة من كل كيس وتضعها في يدك اليمنى وتقول بأمر من الله أولا ومن شيخكم إن كان في هذا الموقع دفينة من آثار القدم أقلب كفي ناحية اليمين وأفرغ ما فيها’.

لا ينسى الشيخ أن ينصحه بالقيام بالصلاة “الإبراهيمية’ (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) سبع مرات، وتلاوة آية الكرسي 70 مرة مادا يده إلى الامام، وأن يبلغه بما يحدث لتفسيره.

خدمة العثور على كنز عن بعد تستعمل فيها أكثر الأساليب تطورا وحداثة تختلط بمعتقدات يراها البعض أكثر بدائية وسذاجة عالم تستعمل فيه الأبخرة والشعوذة كما يعتمد فيه البعض آلات كشف المعادن والجرافات في الحفر.

ويلجأ من تستمع إليهم للتدليل على وجود الكنز إلى التاريخ حيث ظاهرة الاكتناز التي عرفتها الشعوب القديمة وهي عملية مثبتة تاريخيا انتشرت زمن الحروب والقلاقل وفي الأزمات الاقتصادية الكبرى التي عرفتها.

فبعض الشعوب يلجأون إلى إخفاء ما يملكون ووضع علامات لمعرفة مكانها، يزيدون بوجود عملية التحصين وهو وضع مانعا يقوم بحراسة الكنز، ويكون فك المانع أو الوكيل وفق تسمية البعض الذي غالبا ما يكون حيوانا والأكثر تداولا هو ثعبان كبير بمجموعة من البخور تبدأ بالعنبر لتضم الأكثر غلاءً مثل “اللبان الذكر’ (نوع من العلكة).

عندما يصبح الكنز الملك البشري في الأصل طوع الجن لحراسته ماذا بقي لعالم الآثار والتاريخ هذا الذي يجوب منذ سنوات كمختص في الآثار ربوع محافظة  القصرين متنقلا بين المواقع الاثرية الذي يعتبرها جزءا من ذاكرة الوطن ويعاين يوميا هذا التدمير المتواصل لهذه الذاكرة.

لطفي النداري عالم آثار تونسي أحد هؤلاء قال للأناضول إن “كل المواقع الأثرية مكان للعثور على نقود قديمة ووجودها لا يعني دليلا على وجود كنز مدفون’

وأضاف أن “الاعتقاد بوجود كنوز بالمواقع الاثرية بمحافظة القصرين هو وهم وكذبة كذبها أحد وصدقها الحمقى وهو لهث وراء سراب وللتدليل على ذلك أن عمليات العثور على الكنوز في تاريخ تونس قليلة جدا’

ويرفض لطفي نداري فكرة الاكتناز، مشيرا إلى أنها ظاهرة لم تعرفها تونس وهي ظاهرة وإن وجدت لم تنتشر بشكل كبير في كل الحضارات.

ويتابع : الإشارات والرموز هي نقوش جنائزية تعبر عن معتقدات لا علاقة لها برموز دالة على كنوز وقد لاحظت هذه المبالغة في تأويل الرموز المنقوشة على الحجارة بالمواقع الأثرية.

لطفي نداري يعتبر ظاهرة النبش اعتداء على التراث وتغيير لطبيعة المواقع الأثرية حيث تتم عمليات الحفر بشكل عشوائي وتعقِّد من مهمة الباحث في التاريخ كما دمرت كثيرا من الشواهد التاريخية النادرة والدالة على خصوصيات حضارية معينة

ويختم النداري أنه إلى حد اليوم لم تكتشف أي أثار في تونس أو في الخارج تدل على أنه تم استخراجها من المواقع الأثرية بمحافظة القصرين.

يتستر النباشون بالليل ويكتشف لطفي النداري ومحافظي التراث آثار فعلتهم نهارا، وهم يعتبرون فعلهم مشروعا للحصول على الكنز الموعود بينما يراه عالم الآثار جريمة في حق الثراث.

ويبدو القانون التونسي قاصر في تحديد الجرم من عدمه فيقتصر التجريم على النبش في المواقع المصنفة وذات وضع قانوني خاص في حين بالعودة إلى أرقام المعهد الوطني للتراث فإن حوالي 2900 موقع بمحافظة القصرين يمثلون مجالا للنبش دون أن يرتكب النباشون الجريمة فقانون الحقوق العينية لا يستثني الكنوز من ملكية الأرض.

وفي الفصل (المادة) 25 من القانون فإن الكنز أو الشئ المخبوء الذي لا يستطيع أحد أن يثبت ملكيته له يكون ثلاثة أخماسه لمالك ما وجد فيه ذلك الكنز أو ذلك الشيء وخمسه لمكتشفه، فيما يشير القانون نفسه إلى أن الأشياء الأثرية تنظمها قوانين خاصة

بهكذا قانون فان الجميع سيحفرون ليلا أو نهارا مادامت الأرض ملكية خاصة ومادام لم يصنف وينظم بقانون خاص لذلك أطلق سراح شركاء صياد الكنوز ويحاكمون بحالة سراح بشبهة القتل لا بسبب نبش الآثار.

Comments are closed.