بعد أحداث كولونيا… هل تتخلى ميركل عن اللاجئين؟

يتحدث بعض المراقبين عن نبرة تشدد جديدة في تصريحات المستشارة ميركل بشأن اللاجئين بعد أحداث التحرش الجماعي في كولونيا، حيث تشير أصابع الاتهام إلى بعض من طالبي اللجوء. ماذا وراء هذا التشدد؟ وهل انتهت سياسة الأبواب المفتوحة؟

Younes Hamdaoui

في تصريحات تحمل نبرة جديدة قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إنها تؤيد تشديدا واضحا لقواعد طرد طالبي اللجوء الذين يدينهم القضاء الألماني حتى بإحكام مع وقف التنفيذ. وأضافت ميركل المعروفة بموقفها المتسامح تجاه اللاجئين في تعليق على تحرشات جنسية وقعت في كولونيا ليلة رأس السنة يشتبه بأن طالبي لجوء يقفون وراء معظمها: “إذا ارتكب لاجئون جريمة’ فإنه “لا بد أن يكون لذلك عواقب، معنى ذلك أن حق الإقامة والبقاء في البلاد ينتهي إذا صدرت عقوبة بالسجن حتى مع وقف التنفيذ’.

كلمات ميركل هذه تعبر عن امتعاض شديد لما حدث في كولونيا ليلة رأس السنة، عندما تحرش المئات من الأشخاص قيل إن معظمهم طالبو لجوء من أصول شمال افريقية أو عربية بنساء أمام محطة القطارات الرئيسية. أحداث كولونيا وضعت ميركل وحزبها المسيحي الديمقراطي في مواجهة انتقادات شديدة داخل وخارج معسكرها المحافظ.

ويخشى البعض ممن يدعم سياسة ميركل الخاصة بثقافة الترحيب باللاجئين أو سياسة الأبواب المفتوحة أمام الهاربين من الحروب الأهلية في بلدانهم من أن تغير المستشارة سياستها وتتراجع أمام ضغط القاعدة الحزبية المحافظة وضغوط الناخبين، خصوصا وأن بعض الولايات ستشهد انتخابات محلية في الربيع القادم. فقد ارتفعت في الأيام الأخيرة أصوات مطالبة بضرورة تغير سياسة اللجوء ووضع حد لتدفق اللاجئين دون قواعد ضابطة لتحركهم.

ميركل لم تدل بأية ملاحظة بشأن تغيير موقفها بشأن استقبال اللاجئين، بيد أنها وعدت بتشديد قوانين وقواعد ترحيل اللاجئين الذين يتورطون بارتكاب جرائم ويحكم عليهم بعقوبات حتى وإن كانت مع وقف التنفيذ. وجاء ذلك أيضا فيما بات يعرف بـ “إعلان ماينتس’، الذي تمخض عن اجتماع قيادي مغلق لقيادة الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي تتزعمه المستشارة.

فخلال الاجتماع في ماينتس بجنوب غرب البلاد لقادة الحزب المحافظ للمستشارة الألمانية تم الاتفاق على المطالبة بأن يكون تطبيق إسقاط حق اللجوء في ألمانيا أكثر منهجية في حالة ارتكاب جريمة. وسيتعين بحث هذا الأمر مع الشريك الآخر الائتلاف الحكومي في برلين، أي الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة وزير الاقتصاد زيغمار غابرييل.

وما يهم ميركل في هذه المرحلة هي محاولة الحفاظ على التوازن بين سياستها المعلنة إزاء اللاجئين، خصوصا الهاربين من محن الحروب الأهلية، كما هو الحال في سوريا والعراق وربما أيضا أفغانستان، وبين إعطاء المواطنين شعورا بقوة دولة القانون وقدرتها على رد المتورطين في جرائم، كتلك التي ارتكبت في كولونيا ليلة رأس السنة. والهدف واضح ويتمثل في منع صعود اليمن المتطرف المستفيد الأول والأخير من تلك الأحداث.

ميركل تسعى للحفاظ على موقفها

ميركل لم تمس الخطوط العريضة لسياستها الخاصة باستقبال اللاجئين، لكنها تحدثت كثيرا عن تغيير واضح في قواعد التعامل مع المحكوم عليهم وقالت في مؤتمر صحافي “من المهم تعديل القانون حين لا يكون كافيا’، معتبرة أن في الأمر أيضا “مصلحة كبيرة للاجئين’.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن القانون الألماني ينص حاليا على طرد طالب اللجوء إذا حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات على الأقل لكن شرط أن لا تكون حياته أو صحته مهددتين في بلده الأصلي. وربما سيجري التخلي عن هذه النصوص في حالات عديدة، كما يتوقع بعض المراقبين.

من جانب آخر، تحاول ميركل الحفاظ على موقفها من خلال التشديد على ضرورة الترحيل الفوري، أو السريع على الأقل، لكل الذين يتم رفض طلباتهم الخاصة بالحصول على اللجوء في ألمانيا. وهي قضية تساهم في تخفيف حدة التوتر الناجم من تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى البلاد.

إذن تحاول المستشارة إنقاذ الموقف من خلال التشدد الواضح والكبير في التعامل مع من يخالف القانون الألماني. كما سيكون التشدد واضحا أيضا مع كل الذين لا يحترمون منظومة القيم السائدة في المجتمع الألماني.

بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فرغم محاولة ميركل الحفاظ على موقفها المتوازن، تسعى قوى داخل معسكرها، وخصوصا في الحزب الشقيق لها، الاجتماعي المسيحي البافاري، الضغط عليها للقبول بفكرة تحديد سقف أعلى لعدد اللاجئين الذين يمكن أن تستقبلهم ألمانيا سنويا. وهو أمر يرفضه حليف ميركل في حكومتها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

فرصة لالتقاط الأنفاس

إعلان ماينتس يمنح ميركل فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوضاع ومتابعة التحولات الجارية على المزاج الشعبي بشأن اللاجئين. وإذا جاءت استطلاعات الرأي بنتائج لا تروق للحزب الديمقراطي المسيحي في الأشهر المقبلة قبل الانتخابات المحلية في بعض الولايات والتي ستعتبر مؤشرا قويا للانتخابات التشريعية الاتحادية المقررة في خريف عام 2017، فان الكثيرين يتوقعون غلق ألمانيا لأبوابها أمام اللاجئين ولو إلى حين.

وما يعطي هذا التوجه زخما هو موقف نائب المستشارة وزعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، زيغمار غابريل، الذي أدلى به أثناء زيارته لكوبا يوم أمس الجمعة و طالب فيها بضرورة تشديد القوانين بحق اللاجئين المتورطين بجرائم وتسهيل مهمة ترحيلهم. نبرة كلام غابريل لم تختلف كثيرا عن نبرة ميركل عندما تحدثت عن الموضوع نفسه.

في ذلك يقرأ البعض أن الحزبين الحاكمين في برلين يواجهان مشكلة واحدة تتمثل في النجاة في الانتخابات القادمة بأقل الخسائر ومنع اليمين المتطرف من الصيد في الماء العكر.

Comments are closed.