تونس‮: ‬هل‮ ‬هناك‮ ‬نوايا‮ ‬فرنسة‮ ‬للتدخل؟‮

netpear
netpear

OPINION 03

لاشك أن تونس الجغرافية كما الشعب جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري والليبي بشكل دقيق وجزء من الأمن القومي العربي بشكل خاص.. لذلك فإن ما يجري فيها يهم بشكل مباشر ومؤثر ثلاثمائة مليون إنسان على الأقل، هذا إذا لم نحسب أهميتها الأمنية لملايين الأفارقة باعتبار‮ ‬موقعها‮ ‬على‮ ‬زاوية‮ ‬القارة‮.‬

 

وبالإضافة إلى هذا البعد الأمني فإن أي متحدث عن الحضارة والثقافة في المغرب العربي وجنوب الصحراء في العصور الخوالي وماقبل التاريخ ليس بإمكانه التغاضي عن دور تونس.. وبالتالي يجد السياسيون العرب في هذا العصر أنفسهم عراة إذا لم يتحدثوا عن تونس، فالسياسة بلا ثقافة هي سباحة خارج الماء والثقافة بلا تاريخ هي مولود خارج الرحم لذلك ظلت تونس منذ العرب الفينيقيين الأغنية السرية الخضراء لهذه الأمة الممتدة من الماء إلى الماء فافريقش بن صيفي والأميرة عليشا وعقبة بن نافع وموسى بن نصير وجوهر الصقلي والمعز الصنهاجي وعبد الحميد بن باديس وأحمد توفيق المدني وأحمد بن بلة وغيرهم كثير كتبت تونس سيرة حياتهم وكتبوا صفحة من تاريخها.. لذلك فإن الذي يجري فيها اليوم يهمنا كما تهمنا ذواتنا، فتونس قضية شخصية لكل عربي، فما أن ظهر فيها البوعزيزي حتى ظهرت نسخ منه في المشرق والمغرب.

 

وبوعزيزي هو الذي فجر الحراك الأجتماعي في تونس الذي انطلق رافعا شعار الشعب يريد.. هذا الحراك الذي آمل التونسيون والعرب منه أن يصنع بوابة الديمقراطية، فباب تونس هو جزء من الذاكرة العربية الكفاحية الشعبية ومر ذكره عشرات المرات في تغريبة بني هلال.. وقد ركبت هذا الحراك منذ بدايته الدول الكبرى وحرفته حتى لايؤتي ثمره الديمقراطي، لأن الديمقراطية في بلاد العرب هي العدو الأول لدول الغرب التي بلغت من القوة شأوا عظيما غير مسبوق في التاريخ ومع ذلك ما تزال تشعر بالدونية أمام العرب وخاصة تونس التي خرج منها هاني بعل وما أدراك ما هاني بعل. ثم طلع علينا سياسي فرنسي ينعي لنا الديموقراطية في تونس وكأن فرنسا كانت حريصة على هذه الديمقراطية سواء حين فرضت الحماية على تونس او في عهد الحبيب بورقيبة او في عهد زين العابدين.. لكن وقاحة المستعمرين لا تشبهها سوى بلادتهم وغباوتهم.. فهم لايتغيرون ولايتبدلون.. وذكرتني تصريحات هذا السياسي الفرنسي حول الذي يجري في تونس بتصريحات مثقفة فرنسية حول المرأة في إيران، فما أن وصل الخميني إلى الحكم في طهران أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى أنبرت سيمون دو بوفوار عشيقة جان بول سارتر بالدفاع عن المرأة الإيرانية، هذه الإيرانية التي كانت مغبونة في عهد الشاه صديق الغرب وصنيعته، ولم تدافع عنها بوفوار لأنها في الواقع لم تكن تدافع عن اية قيمة إنسانية، بل عن افكار استعمارية أكثر عمقا وأشد خطرا من افكار السياسيين الفرنسيين الاستعماريين.

 

وهاهم الساسة الفرنسيون يتباكون على الديموقراطية في تونس وهم الذين زرعوا وأيدوا الديكتاتورية في العهود السابقة. بالتأكيد فكما كان لايعجبني الشاه ولايعجبني بورقيبة لايعجبني الخميني ونظامه ولايعجبني الغنوشي واسلوبه، ومثلي في ذلك مثل ملايين العرب والمسلمين في هذا العصر. وبالنسبة لتونس فإن رأينا في النهضة وسائر الثلاثية الحاكمة هو جزء من حوار الملايين العرب مع بعضهم.. أما ان يطلع علينا بعض الساسة الفرنسيين بمواعظ الديموقراطية، فهي حكاية تذكرنا بحكاية الثعلب الذي لبس يوما ثوب الواعظينا طالبا من الديك أن يخرج ليؤذن لصلاة الفجر فينا؟ فالثعلب لم تكن تهمه الصلاة بل كان يخطط لالتهام الديك. والسياسي الفرنسي لا تهمه الديموقراطية بل يخطط لالتهام تونس.. فتونس بدأت تبتعد تدريجيا عن دائرة النفوذ الفرنسي فتجارتها مع الولايات المتحدة تتقدم على حساب تجارتها مع فرنسا، كما ان اللغة التركية بدأت تاخذ طريقها إلى المدرسة التونسية لتقلص من انتشار الفرنسية، وهما مؤشران على انحسار للمصالح الاقتصادية والثقافية الفرنسية. ويبدو أن بعض السياسيين الفرنسيين الاستعماريين يريدون تفاهما مع نظرائهم في واشنطن لأعادة تقسيم النفوذ في القارة أو هم يريدون وضع هؤلاء تحت الأمر الواقع، فليس هناك شخص واحد في العالم يصدق أن ما تقوم به فرنسا في مالي هو حفاظ على ديموقراطية لم توجد أصلا في هذا البلد الإفريقي الذي ترى باريس فيه وفي محيطه شريان حياتها والضرع الذي تمتصه للبقاء في موقعها الدولي ومستواها الحضاري ،ففرنسا التي غادرت الجزائر عام1962 لم تعد تحتل ذات الموقع الدولي الذي كان لها، خاصة وأن واشنطن حلت في صراع المدينتين القديم محل لندن، وباريس فتحت شهيتها لاستعادة مكانتها في شمال إفريقيا بعد تدخلها في مالي، وهو تدخل يتحول بالتدريج إلى ورطة، فهل التدخل في تونس‮ ‬هو‮ ‬جزء‮ ‬من‮ ‬خطة‮ ‬التدخل‮ ‬في‮ ‬مالي؟‮ ‬سؤال‮ ‬قد‮ ‬تجيب‮ ‬عليه‮ ‬الأشهر‮ ‬القادمة‮.‬

 

وبالطبع فإن هذا الفهم يقتضي من الثلاثية الحاكمة في تونس الحذر ثم الحذر ثم الحذر، ليس لأن فرنسا لها جندها في العسل، وجندها من الفرانكوفون الفرنسي، وجندها من الذين يقرؤون الدين من اليسار إلى اليمين أو لا يقرؤون سورة الرحمن.. بل أن أخطاء أصحاب النوايا الطيبة‮ ‬يشكلون‮ ‬جندها‮ ‬الأقوى‮ ‬في‮ ‬تونس‮ ‬،فالكل‮ ‬يعلم‮ ‬أن‮ ‬طريق‮ ‬جهنم‮ ‬معبد‮ ‬بالنوايا‮ ‬الطيبة‮.‬

 

فما‮ ‬الذي‮ ‬يمكن‮ ‬قوله‮ ‬عن‮ ‬نواياأولئك‮ ‬الذين‮ ‬اغتالوا‮ ‬السياسي‮ ‬شكري‮ ‬بلعيد‮ ‬السياسي‮ ‬التونسي‮ ‬العلماني؟

 

فهذا اغتيال فتح بابا واسعا من المشكلات ليس لنظام الثلاثية ولا لحزب النهضة ..لكن للشعب التونسي الذي اراد من حراكه الجماعي الإجتماعي قبل عامين أن يفتح لنفسه باب العصر معيشة وحرية وسياسة، كما أرادت الشعوب العربية التي تبعته في حراكه، فكان حصادها حتى الآن ربما‮ ‬أكثر‮ ‬مرارة‮ ‬من‮ ‬حصاد‮ ‬الشعب‮ ‬التونسي‮. ‬وهنا‮ ‬ينتصب‮ ‬السؤال‮ ‬الخالد‮ ‬من‮ ‬جديد‮ ‬امام‮ ‬النخبة‮ ‬التونسية‮: ‬ما‮ ‬العمل؟

 

أعتقد‮ ‬أن‮ ‬النخبة‮ ‬التونسية‮ ‬تمر‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬اللحظات‮ ‬بأصعب‮ ‬مراحل‮ ‬تاريخها،‮ ‬فرغم‮ ‬أن‮ ‬هذه‮ ‬النخبة‮ ‬الثقافية

 

كانت من أنشط النخب في المغرب العربي وربما اكثرها إنتاجا.. إلا أن الشعب التونسي تجاوز نخبة الاستقلال هذه واستعاد في حركته قصيدة من شعراء ماقبل الإستقلال، وهو مافعلته الجموع في بلدان عربية أخرى، وبالتالي فإن هذه الجموع وضعت النخب العربية التي أنتجت خلال الاستقلال‮ ‬بين‮ ‬قوسين‮ ‬

 

،فهل‮ ‬تستطيع‮ ‬النخبة‮ ‬التونسية‮ ‬أن‮ ‬تعيد‮ ‬لنفسها‮ ‬ولزميلاتها‮ ‬من‮ ‬النخب‮ ‬العربية؟

 

لا أعتقد أن ما يجري في شوارع تونس والقاهرة ولا في أروقتها السياسية يوحي بذلك. ولا أعتقد أن تصريحات السياسيين الفرنسيين والأمريكيين والغربيين عموما تساعدها على استعادة الاعتبار.. ولعل الأمر الوحيد الممكن هو أعادة اكتشاف الذات الوطنية، فلا هذا الاغتيال ولاهذه الحرائق ولا مانراه ونسمعه من قياس الوطن بالمقياس الحزبي والطائفي يفتح طريقا لأحد غير جند الروم سواء كانوا يرتدون قبعة بيجو أو عمامة نابليون .. ولايستطيع احد أن يقنعنا بادعاء الغيرة على الديمقراطية .. فهذه الديمقراطية لم نراها طبقت كما هي سواء في بلاد النصارى‮ ‬او‮ ‬في‮ ‬بلاد‮ ‬المسلمين‮.. ‬فهي‮ ‬ليست‮ ‬موجودة‮ ‬لا‮ ‬في‮ ‬باريس‮ ‬الاشتراكيين‮ ‬ولا‮ ‬في‮ ‬كابول‮ ‬الطالبان‮. ‬

 

Comments are closed.