جريمتنا في الصحراء

المشرف
المشرف

لكاتب:عبد الناصر (نقلا عن جريدة الشروق الجزائرية)

لسنا في حاجة إلى سبر للآراء، لمعرفة إن كان غالبية الجزائريين قد سمعوا بمنطقة تيقنتورين قبل حادثة الأسبوع الماضي، أو يعرفون مكان تواجد عين أمناس أو حتى إليزي؟ وكثيرون شعروا بالدهشة حتى لا نقول بالخجل، عندما علموا أن تيقنتورين التي لا يعلمون لها خريطة ولا تاريخا، يقطنها نرويجيون من أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأصفر، قدموا من أغنى بلد وأقصى دولة أسكندنافية في شمال أوربا، ويابانيون لا يشاهدونهم إلا في الرسوم المتحركة وأفلام الكاراتي، وأمريكيون ظنوا أنهم لا يعيشون إلا في أبراج نيويورك ولوس أنجلس، بل والعشرات من جنسيات العالم، في الوقت الذي كان أقصى ما قام به الشاب اليائس من العمل في الجزائر، هو ركوب زورق موت نحو صقلية الإيطالية، وهو لا يعلم حتى لمناطق بلده ولخيراتها اسما ومكانا.

 

في سنوات الخمسينات لم يكن الجزائريون يقبلون مجرد الحديث عن التفريط في جزء من صحرائهم نظير الاستقلال، رغم أن ثروة النفط لم تتضح معالمها بعد، وفي السبعينات حاول الرئيس الراحل هواري بومدين إنشاء مدن في الصحراء وطريق الوحدة الإفريقية والسد الأخضر، حتى إن تعليمات وصلت لمصالح الإرصاد الجوي، لأجل أن تعطي أرقام حرارة متدنّية دون حقيقتها المرتفعة، لتشجيع الجزائريين على إعمار الصحراء، والآن بعد نصف قرن من الاستقلال يهاجر المختصون الجزائريون في البترول إلى قطر والبحرين للعمل في الدول الخليجية، ويهاجر الإسكندنافيون والأمريكون إلى قلب الصحراء الجزائرية للعمل هناك، ضمن معادلة غريبة، أكدت مرة أخرى فشل السياسات التنموية والاجتماعية المتعاقبة، وإذا كان التعاون والاستنجاد بالخبرات الأجنبية من الضروريات، فإن خمسين سنة من السباحة في آبار النفط الذي يعيش منه الجزائريون، من المفروض أن تكون كافية لأجل أن تمتلك الجزائر شركات كبرى ومتنوعة لاستكشاف واستخراج النفط، مثل الشركات العالمية الكبرى والتي تنتمي بعضها لبلدان لا تمتلك قطرة نفط واحدة على أراضيها.

الولايات المتحدة الأمريكية حوّلت صحراء فلوريدا التي هي واحدة من أسخن مناطق الكرة الأرضية والغنية بالمعادن إلى جنة خضراء، تصدّر القمح والخضراوات، والإمارات العربية المتحدة زرعت صحراءها النفطية مدنا بها ناطحات السحاب وأشهر البنوك والفنادق في العالم، وإيران أنجزت أشهر جامعاتها في المناطق التي تتواجد فيها ثروة النفط، وفنزويلا جعلت من شمال شرق البلاد حيث يتواجد النفط، العاصمة الحقيقية للبلاد، وحتى ليبيا في زمن معمر القذافي أنجزت النهر الاصطناعي، حيث يسبح إلى جانب آبار النفط، بينما ما زال أهل إليزي عندنا، يهاجرون إلى مدن الشمال، وليس إلى عين أمناس حيث الغاز والبترول، وأهل ورڤلة يهاجرون إلى مدن الشمال وليس إلى جارتهم حاسي مسعود حيث الثروة الباطنية الكبرى.

أحداث تيقنتورين المؤلمة، بقدر ما أجابت عن الكثير من الأسئلة، وأكدت أن الإرهاب فعلا لا خارطة له، وأنه لا يترصد الأرواح والأفكار والمنشآت، وإنما أيضا لقمة العيش وتشويه صورة البلاد، بقدر ما طرحت أيضا أسئلة عن نسياننا لأرضنا الحقيقية في الصحراء، إلى درجة أن كل العالم يعرفها ويعيش منها … إلا نحن؟

Comments are closed.