جزائري ” حَرْكِي ” يفضِّل العيش في السجن

المشرف
المشرف

أثناء بحثنا للإطلاع على بعض محطات أرشيف الصحافة الفرنسية حول مشاغل الجالية. شدت انتباهنا هذه القصة الحقيقية التي جدّت منذ أعوام قريبة جدا في إحدى المدن الفرنسية، والتي تناقلتها الصحافة ضمن زوايا المتفرقات المختصرة والمثيرة، التي تستهوي القرّاء، نظرا لغرابتها وتفردها وخروجها عن المألوف الإنساني، بيد أن نقل هذه القصص من طرف وسائل الاعلام يكون عادة نقل خام للأحداث والوقائع، دون الغوص في أبعاد وتجليات حالة الضياع والانفصام.

ولأن هذه الحكاية الواقعية التي تلامس الخيال الواقعي، وذات مدلولات قدرية وزمنية، تترجم بوضوح التأرجح بين ثقافتين والتمزق بين غربتين.
إنها حكاية مواطن جزائري يحمل الجنسية الفرنسية، يدعى
’ محمد بوركام “، ولد بالجزائر وتغذى من تربة البداوة في أحد الأرياف القاحلة، المتسللة عن جمال الطبيعة ورطوبة العيش.
وفي أحد الأيام التحق ’ محمد بوركام ’ بالجيش الفرنسي منظما إلى المستعمر الفرنسي، يقاتل ضد أبناء جلدته، وكان أشدّ قسوة عليهم من المحتل. نزع ’ محمد بوركام ’ العمامة الجزائرية بما تطويه من ’ نيف ’ وكبرياء، ليلبس بدلة عسكرية غريبة عن مقاسة، ولم يتصور’ محمد بوركام ’ يوما أن تلك المجموعات الصغيرة المتناثرة في الجبال، والتي تعلقت بالحرية والكرامة هي أرفع من نفسه الوضيعة وتستطيع قلب المعادلات، لتستقل الجزائر ويجد ’ محمد بوركام ’ نفسه قد نحت صورة العدوّ لأهل بلده وأبناء جلدته. فأدرك أن وجوده هناك خطرا، فرحل مع القوّات الفرنسية عند مغادرتها الجزائر، ليستقرّ بفرنسا حيث تحصل على الجنسية الفرنسية. وأقام لسنين طوال على هامش المجتمع. توفيّت زوجته الأولى فتزوّج امرأة أخرى تصغره بست عشر سنة، بيد أن زواجه الثاني كان فاشلا، لأن هذه الزوجة الأخيرة لم تر فيه سوى صورة الخائن لوطنه، المتنكر لهويته ولأهل بلده، فاحتدّت الخلافات وتحوّل المنزل إلى جحيم. فكل ليلة ينامان على الخصام ويصحيان على العنف المتبادل، ممّا جعل المركبة الزوجية تغرق في بركة من الكحول والإدمان..وفي لحظة غضب رمادية هاربة من حدود العقل، أجّجها الإفراط في شرب الخمر قتل ’ محمد بوركام ’ زوجته الجديدة، فحوكم ب 15 سنة. ظل في السجن حبيس تلك الأيام البعيدة، التي كان يعتدي فيها على عذرية تربته. وتذكر تلك الأيام التي كان يتسلط فيها على الأهالي بالوشاية وتعذيب الثوار ممن وقعوا في الأسر. استطاع ’ محمد بوركام ’ الفرار من السجن، وأمضى 11 سنة في حالة فرار..وفي لحظة من لحظات التعب المستمر، والاختفاء المرهق عن أنظار البوليس، والقلق الدائم، وبعد عجزه عن ضمان قوته اليومي، لم يجد الحرية التي كان يتوق إليها خارج قضبان السجن، بل وجد نفسه يتحول من سجن الطعام والنوم فيه مضمونان، إلى سجن بلا قضبان السقف والأكل فيه معدومان.. فقرّر العودة بمحض إرادته إلى السجن، ليجد في انتظاره مدير السجن وحرّاسه تلبسهم الدهشة والغرابة أمام هذه الحادثة، التي لم يتعرّضوا لها طيلة حياتهم المهنية. ولأن ’ محمد بوركام ’ هو جملة تأثيرات المغلوب بالغالب، بين فلاح ريفي بسيط في قرية نائية، وبين غالب من بلد آخر، ليسحبه من محيطة الثقافي، فيصنع منه جنديا يقاتل ضد أهله. ويقبل هو هذه المهمّة بنفس وضيعة غريبة عن محيطها، متنصلة من جذورها وانتمائها. ورغم انصهاره إلا أن هؤلاء يبقون متأرجحين بين ثقافتين.
ولا يعادل مصير هؤلاء سوى مصير الأرواح الهائمة في الأوديسة، حسب الميوثولوجيا التي آمن بها الإغريق لا بد أن تخصص لأجساد الموتى شعائر وطقوس دينية كاملة، تستطيع بعد نزولها إلى العالم السفلي الوصول إلى ضفة الحساب، بعد عبور نهر الستيكس، أما الأجساد التي لم تحض بهده الطقوس فإنها تظل تحوم حول نهر الستيكس، عاجزة عن عبوره وعن الوصول إلى مرحلة الحساب والعقاب. تظل تعيش كأشباح باكية هائمة على وجهها، ترجو العبور إلى ضفة الموت فلا تستطيع، فتطلق أناشيد حزينة وبكائيات مريرة الإيقاع، ناعية حضها السيئ الذي حرمها من الانتماء إلى عالمي الموت والحياة معا وخنقها في منفى وسيط ودائم، لا هو دار فناء ولا هو دار بقاء.
وحسب نفس الميثيولوجيا الإغريقية فأعسر وضعية هي وضعية هذه الأشباح الهائمة.. ولا تختلف وضعية هذه الأشباح عن وضعية الذين يؤمنون خطأ أو بلاهة بأنهم قادرون على التمركز في ثقافة أخرى، على حساب هويتهم وحضارتهم ومحيطهم..
—————-
*’ حَرْكِي ’ / مصطلح باللهجة الجزائرية، يطلق على بعض المواطنين الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي…

 

Comments are closed.