“دار الجيلاني” في جربة التونسية.. متحف فريد تحت الأرض

المشرف
المشرف

لم يتخيل المواطن التونسي الجيلاني زريعة أن ما حلم بتحقيقه سيصبح لاحقا حقيقة ملموسة بأن يتحول دكان صغير لا تتجاوز مساحته 30 مترا مربعا إلى متحف للفنون والحرف تحت الأرض هو الأول من نوعه في تونس.

تحويل كل ما يبدو مهملا إلى منتج يصلح للاستعمال، هو هواية ارتقت إلى رتبة الاحتراف عند زريعة (48 عاما)، وهو من سكان جزيرة جربة التونسية (جنوب شرق) بخليج قابس.

وزريعة هو رسام عصامي التكوين (لم يدرس الفن) اختار أن يسلك لنفسه منهجا يبدو مغايرا عن معاصريه، عبر جمع القديم مع الجديد ليخاطب تقاليد المنطقة وعاداتها عبر أعمال فنية تجمع بين مكونات ما كان لها أن تلتقي يوما في لوحة فنية واحدة.

ويقول زريعة لوكالة الأناضول إن “الفكرة الأساسية في هذا الفضاء هي تحويل كل ما هو مهمل ولا وظيفة له في حياتنا إلى أشياء تؤدي وظيفة أخرى لها، وربما تبدو مغايرة تماما لوظيفتها المعروفة’.

وثمة توليفة فريدة يشاهدها الزائر لحظة دخوله إلى “دار الجيلاني’، هذا المتحف الذّي بدأ عام 2011 ويقع على بعد 6 كيلومترات عن مركز مدينة حومة السوق في جزيرة جربة التونسية.

أول ما يلحظه الزائر داخل هذا المتحف هو بساطة الأشياء المستعملة، والتي تحولها أيادي زريعة إلى إبداع فني، فالمعدات التي تبدو  بسيطة ولم تعد صالحة للاستعمال اليوم إضافة إلى قطع القماش القديمة، هي أبرز المكونات، ولعل ما يميز هذا الفضاء هو كونه تحت سطح الأرض على عمق ثلاثة أمتار.

ويغطي المتحف مساحة 400 مترا مربعا، وينقسم إلى مجموعة من الغرف لكل منها اسما ووظيفة، مثال غرفة ’أدونيس’ في المدخل، وهي مخصصة لرسم وعرض اللوحات الفنية.

وعن نفسه يقول زريعة: “كنت مولعا بفن الرسم على جميع المحامل (من لوحات وجدران وغيرها)، وأردت أن أخصص لنفسي مكانا أمارس فيه هذه الهواية.. حينها كانت مساحة الفضاء صغيرة، لتراودني بعدها فكرة جعل المكان بمثابة متحف وسرعان ما تحول المكان إلى مزار للسياح مقابل دينار واحد لكل سائح (حوالي 1.9 دولار أمريكي)’.

وعن وجود المتحف تحت الأرض، يوضح: “أردت أن أجعل الفضاء تحت الأرض، فأهالينا منذ القدم كانوا يعيشون في مثل هذه الظروف’.

داخل المتحف تحمل المقتنيات المرصفة هنا وهناك الزائر إلى عادات الجهة (جزيرة جربة) وتقاليدها، فالألوان هي ذاتها ألوان الأزياء التقليدية المميزة لهذه المنطقة (الأحمر والأبيض) والمحامل (المواد الموجودة عليها الأعمال الفنية) كذالك هي من صنع الأجداد من أبواب وشبابيك وغيرها، وكلها تستحضر حيزا مهما من ذاكرة جزيرة جربة وسكانها.

هنا تقع عين الزائر على “أباجورة’ (نوع من المصابيح الضوئية) موضوعة في إحدى زوايا المكان وتبدو منذ الوهلة الأولى طبيعية، لكن بمجرد اقترابك منا ولمسها تكتشف أن من قام بصناعتها من مواد غير مألوفة هو فنان يتقن فنه.

من بين عناصر الديكور المتناثرة في انسجام في ذلك المتحف يجذب الزائر عمل فني يشهد بمهنية عالية لصاحبه، وهو عبارة عن تطويع لغصن زيتون ليصبح فانوس إنارة يجذب الناظرين.

كل ما يبدو للزائر مهملا يحظى بالاهتمام في هذا المكان بعد أن تمر عليه أنامل زريعة، فالملاعق البلاستيكية وأغطية القوارير البلورية تتجمع في شكل أقراط، أما إسطوانات الموسيقى (الأقراص المدمجة) البالية فتتحول إلى أدوات للزينة.

وفي جانب آخر من المتحف، يلاحظ الزائر أوانٍ، لكنها ليست كغيرها من الأواني، فهي مستخرجة بطريقة مستحدثة من قوارير بلور لم تعد صالحة للاستعمال.

ويبهر زريعة ضيوفه بقدرته العالية على سرعة الرسم على جميع المحامل، وهو ما يزيد هذا الفضاء المتحفي المتميز.

ويقول زريعة: “منذ الأيام الأولى آمن الكثير بفكرتي، ودخلت في التعامل مع الكثير من وكالات الأسفار (تجلب السياح)، وتم إدراج هذا المكان ضمن المسلك السياحي في جزيرة جربة’.

ويمضي بقوله: “هنا نحاول إبراز جميع العادات والتقاليد، ليس فقط عن طريق الرسم، وإنما كذلك عبر المأكولات، فهنا نحاول التعريف بطريقة تحضير الأكلات الشعبية المميزة للجهة’.

وكثيرا ما يشتري سياح معروضات من هذا المتحف التونسي الفريد.

ويوميا، يزور سياح “دار الجيلاني’ بمعدل يختلف حسب فصول السنة وإقبال السياح على جزيرة جربة، وعامة يبلغ عدد الزوار في موسم الصيف حوالي ألف زائر يوميا، وفقا لصاحب المكان.

هنري إيرنو (57 سنة) هو سائح بلجيكي التقته الأناضول داخل فضاء “دار الجيلاني’، قال إن “المكان جميل وطريف، وحتى الأكل يبدو لذيذا’.

Comments are closed.