دردشة مع الغنوشي

المشرف
المشرف

توفيق بوعشرين

الكاتب: توفيق بوعشرين

حول طاولة عشاء أقيم على شرف المشاركين في ندوة علمية نظمها المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية بالدوحة، الذي يديره عزمي بشارة، وجدت مقعدي إلى جانب زعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي. كنت قد التقيت الشيخ راشد قبل هذا الوقت في تونس أياما بعد عودته من المنفى البريطاني إلى منزله في العاصمة التونسية التي غادرها
محكوما بالإعدام في بداية التسعينيات، ولهذا دخلنا في الحديث بدون مقدمات تقريبا.

سألت زعيم حزب النهضة عن أحوال تونس، وما إذا كانت الثورة قد حققت أهدافها أم لا؟ فقال: «الثورات لا تؤتي أكلها في الحين. إنها مثل الأشجار لا تثمر مباشرة بعد زرعها، نحتاج إلى وقت، لكن صبر الناس، للأسف، قليل. نحن نتعلم الآن أصول الحكم، ونحاول أن نكون ديمقراطيين، وأن ننصت لحاجيات الناس حتى وإن لم نستطع تلبيتها كلها».

علقت على جملة «نتعلم أصول الحكم ونحاول أن نكون ديمقراطيين» بالقول: وهل سيكون ثمن ذلك غاليا، رد بابتسامة وقال: «أعدك سنكون أفضل من غيرنا».

سألته عن المعارضة وكيف أنها تشتكي من هيمنة النهضة على الحياة السياسية، فرد بهدوئه المعتاد: «المعارضة معارضات، وهي ليست على قلب رجل واحد. لكن دعني أسألك أنت: أين كانت جل الأصوات التي تعارضنا اليوم في الحق والباطل أيام الدكتاتور؟ الحكومات جميعها تحتاج إلى معارضة، لكن المعارضة يجب أن تكون ديمقراطية هي أيضا، وأن ترضى بصناديق الاقتراع. بدأت أسمع أصواتا ليبرالية ويسارية، وحتى قوى تطلق على نفسها ديمقراطية، تسخر من نتائج الاقتراع فقط لأنها جاءت بقوى الإسلام السياسي».

ثم مررنا إلى الحديث عن السلفيين وموجتهم التي انتعشت في دول الربيع العربي، وسألت زعيم الإسلاميين التونسيين عن رأيه في تحركات هؤلاء وتطرفهم، فقال: «التطرف نزعة تولد كبيرة في العقول الصغيرة، وكلما كبرت هذه الأخيرة صغر حجم التطرف. نحن أيضا كنا متطرفين أيام كنا شبابا، وكانت ردود فعلنا غاضبة مما نعتبره خروجا عن الدين، لكن مع الأيام والمحن يبدأ الإنسان في مراجعة نفسه، عندما يدخل إلى السجن ويرى أن شخصا علمانيا يتضامن معه، ويجد أن منظمة غربية في بلاد مسيحية تطالب بإطلاق سراحه. هنا يبدأ عقله في الاشتغال والتمييز ومراجعة الذات».

وماذا عن الارتباطات السلفية بدول خليجية تريد أن تبعثر أوراق الأنظمة الخارجة للتو من الاستبداد العربي؟ هنا تحفظ الشيخ في الرد، ورجع إلى لغته التربوية: «هذا كله إلى زوال. الموجة السلفية عابرة، وأجوبتها عن مشاكل الناس تقريبا لا شيء. فورة وتمر، لكن القانون فوق الجميع».

الربيع العربي هل صار خريفا أصوليا؟ يقاطعني الغنوشي قائلا: «لا هو ربيع عربي ولا هو خريف أصولي. هذه ظاهرة نضجت على مدار سنوات طويلة. السلطة، أي سلطة، لا تقوم على الجبر وقهر الناس واستعبادهم، والسلطة العربية ليست استثناء في التاريخ، أما عن اتجاه أصوات الناس إلى الإسلاميين فهذا طبيعي، لأن خطاب ما يسمى الإسلام السياسي بني على نقد السلطة، والمساجد ظلت نسبيا بعيدة عن سيطرة السلطوية على كل مجالات الفعل الاجتماعي والسياسي والثقافي. الناس اختاروا الحركات الإسلامية ليس لأنها إسلامية، بل لأنها حركات سياسية بنت خطابها على نقد السلطوية، وإذا رجعت هي نفسها إلى إنتاج هذه السلطوية سينفض الناس من حولها ويتجهون إلى غيرها، هذه سنة الحياة.

رجعت إلى هذه الدردشة من أوراق مذكراتي عندما سمعت خبر اغتيال المعارض التونسي شكري بلعيد أول أمس، علها تقربنا من طريقة تفكير من يتهمه خصومه في تونس بأنه يقف وراء هذه الجريمة السياسية.

المصدر: هسبرس

Comments are closed.