دروس عربية

netpear
netpear

فيما يجري في عدد من البلدان العربية دروس كثيرة ينبغي التوقف عندها، وينبغي فتح الجدل الأكاديمي والسياسي فيها وعنها، وينبغي عدم الغرق في تفاصيل الحدث الظرفية.
الدرس الأول: المجتمعات العربية تشترك في معاناتها من عطل مُقعِد، وتشترك في قصور نخبها على إنتاج “الترياق” الذي يمكنها من تجاوز حال العطل هذه. ولهذا ينبغي أن ننتبه أن المشكلة ليست في “الإسلاميين” كما يصورها البعض، إنها في النخب التي أنتجت ديكتاتوريات أو ما يشبهها أو ما يأخذ بأساليبها، والنخب العاجزة عن إنتاج بديل لــ “خطاب الإخوان’ وغيرهم من التيارات الإسلامية. نعم لنتساءل.. أين هم الليبراليون؟، بمعنى أولئك الذين يعتقدون أن الحل في التفتح الاجتماعي والثقافي وفي الليبرالية السياسية والاقتصادية، وأين هم اليساريون؟ وأين هم القوميون والوطنيون؟ الواقع أن الكل يعيش حال تأزم عميقة.
فلو كان القصور يتوقف عند النخبة التي تأخذ بـ’الإسلاموية السياسية’ لكان ذلك مسألة ظرفية يمكن تجاوزها في انتخابات أخرى قادمة إن وجدت، ولكن واقعيا من يستطيع أن يجزم أن هناك تيارا سياسيا فكريا قادرا على انتزاع السلطة عن طريق صناديق الاقتراع؟ حتى الآن لم يحدث ذلك، والكثير من التقديرات تميل إلى الاعتقاد أنه من الصعب انتظار تمكن التيار الليبرالي الديمقراطي وأبعد منه اليساري من انتزاع السلطة انتخابيا.
في مصر كانت المؤسسة العسكرية هي “الملاذ الأخير”، وقبلها بأكثر من عقدين في الجزائر، وقبل ذلك كانت هي البديل الوحيد للأنظمة السابقة استعمارية أو مرتبطة بالاستعمار. الأمور كما يتضح لم تتطور كثيرا. الأوضاع الاجتماعية السياسية والثقافية أعادت إنتاج الحالة نفسها و “الحل’ نفسه!
تونس ليست بعيدة في معاناتها عما تعيشه مصر، ولكنها لا تشكل حالة يمكن أن تتحول إلى نموذج سواء نجحت أو فشلت، لأن ظروفها مختلفة على أصعدة متعددة لعل أهمها التاريخ الاجتماعي ومستوى الانفتاح على الخارج.
في هذا العطل يمكن تبين مسألة أساسية وهي غياب مشروع دولة، وهنا تشترك جل البلدان العربية في الأمر سواء التي عاشت “التغيير’ الحاد أو التي عرفت انتقالا سياسيا جزئيا.
من المغرب إلى اليمن وما عدا بلدان الخليج لاعتبارات يطول شرحها، كل البلدان تعيش “أزمة دولة’ بما يعني وجود تباعد أو تعارض بين تطلعات الناس وآمالهم وبين الذي تعرضه عليهم السلطة القائمة، إسلامية كانت أو غيرها. وأزمة في العجز عن إعطاء القانون معنىً ووجودا، وفي إعطاء المؤسسات مصداقية عند الناس.
ما زال البحث عن “دولة أخرى’ بعلاقة أخرى بين مؤسساتها ببعضها، أي الخروج من هيمنة المؤسسات العسكرية والأمنية وهيمنة السلطة التنفيذية على كل شيء، وبين هذه المؤسسات والناس. وهذه معضلة لا بد من إدراكها إدراكا أكاديميا فكريا وإدراكها سياسيا.
الدرس الثاني: تشترك كل البلدان العربية اليوم في الخوف من الخارج أو طلب تدخل الخارج. الخوف من الخارج لأنه ينصر طرفا على طرف، أو طلب تدخل الخارج لأن التقدير هو أنه قادر على الفصل والتسوية وقادر بالخصوص على التأثير، بل هو “مصدر الشرعية’ أحيانا. ليس تيارا واحدا يمكن أن يتهم في هذا المجال. جل التيارات ترى أنه من “الواقعية’ أن نأخذ بعين الاعتبار “قدرة’ الخارج على التأثير وقدرته بل وأحقيته في الدفاع عن مصالحه وحمايتها. فحتى الإسلاموية السياسية التي تصور أحيانا على أنها “في حالة عداء مع الغرب’ وأنها تنشد العدالة الاجتماعية، تصرفت وتتصرف بما يمكن رؤيته أنه تناقض. إنها لا تريد أن تثير الغرب ضدها، بل لا تريد أن تثير إسرائيل ضدها، والمثل المصري واضح. كما أنها تقيم “علاقات جيدة’ مع الرأسمال ومع المصالح التجارية الكبرى، ولا حرج إيديولوجي أو شرعي لديها في ذلك. ومعلوم أن ذلك كله ينتهي منطقيا إلى واقعية سياسوية لا يمكن أن تؤدي لأي استقلالية وربما لأي قدرة على انتزاع منافع أكبر من المبادلات مع الغرب.
إن هناك ارتباطا قويا بين الدرس الأول والثاني. فحتى تتحسن القدرة على انتزاع المنافع لا بد من دولة قوية تقوم على شرعية أكيدة في علاقتها بمواطنيها وتمكن المواطنين من حماية حقوقهم ومصالحهم داخليا وخارجيا.
طبعا هناك دروس أخرى كثيرة سيأتي التطرق لها في مواعيد لاحقة.
عن يومية “الخبر’ الجزائرية

Comments are closed.