“سوق العصر”.. ضالة فقراء العاصمة تونس

المشرف
المشرف

جلس في ركن، وجمع ما تيّسر من مواد قد تبدو للبعض بالية وغير صالحة للاستعمال من قطع غيار منزلية وأدوات طبخ مستعملة ومواد صحيّة (تستعمل في دورات المياه) وقطع كهربائية وغيرها، ووضعها أمامه على خرقة قماش وشرع في ترصيفها الواحدة بجانب الأخرى، ومن ثمة بدأ بهتافه اليومي المعتاد “القطعة ب500 مليم’ مناشدا بذلك المارة علّه يجذب بعضا منهم.

هكذا يبدأ “العم حسين’ أحد باعة “سوق العصر’ في العاصمة تونس نهاره، فهو يجمع قوت يومه مما يبيعه في هذه السّوق.

ولعلّ التسّمية قد تبدو غريبة للوهلة الأولى،’سوق العصر’، فقد يخيل للبعض أنك تتحدث عن أحد الأسواق العصرية حيث تعرض المَنتوجات الجديدة والأثاث الحديث، ولكّن الصورة هنا مخالفة لذلك تماما، فهذه السّوق موجودة على مقربة من أفقر أحياء تونس العاصمة “كحي هلال والملاسين والسّيدة’.

وتعكس هذه السوق المقولة الشهيرة “يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر’، فقد يعثر أحدهم هنا بعد عملية فرز وبحث مطولة على قطعة يعيد بها الحياة لأحد آلاته الكهربائية أو يصلح بِها ما تعطّل من أدوات منزلية.

إذ يجد الحريف ضالته في هذه السّوق وبسعر زهيد يمكن أن يقتني ما لا يمكن أن يجده في آي مكان آخر، ولو كان ذلك في إحدى المحلات الرّفيعة.

والعم حسين هو أحد الباعة الذّين ليس لديهم مورد رزق آخر سوى تجارتهم البسيطة في “سوق العصر’، ويقول للأناضول: “هناك إقبال كبير من قبل التّونسيين على هذه السّوق خاصّة أن أغلب الحرفاء ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة وهناك أناس يبحثون دائما على المنتُوجات القديمة غير المتوفرة في المحلات الجديدة لأنهم يؤمنون بأنها مَنتوجات تدوم أكثر وهي ذات نجاعة (صلاحية أكبر) على عكس المنتوجات الجديدة’.

من جانبه، يرى عبد الوهاب هادف، وهو كثيرا ما يرتاد هذه السوق أنها “ضالّة الفقراء والبسطاء وعامة المواطنين لأنّ أسعارها في متناول الجميع، حتى أنه اقتنى سخان ماء منذ أكثر من سنة كان أفضل من ذاك المعروض في المحلات التجاريّة باهضَة الثّمن’.

أما علي بن عامر الذّي رافق هذه السّوق طيلة 50 سنة من العمل في مجال تجارة الخردة، يعتبر أن “سوق العصر’ هي سوق “الزوالي’ أي الفقير باللهجة التّونسية.

“فهنا، لا يبالي الباعة بحالة الطّقس مهما كانت، إذ لا تثنيه المطر في الشتاء القارص، ولا حرارة الشّمس في الصّيف من أن يأتي في الصباح الباكر محمّلا ببضائعه ليعرضها في سوق يفوق عمرها ال 100 سنة ويأتيها الجميع من كل صوب وحدب’، على حدّ تعبيره.

من جانبه، يرى جلال خميري، أحد الحرفاء، أنه “لا يأتي إلى هنا سوى الشخص الفقير والبسيط ، حيث يجد كل شيء من كتب وتجهيزات ومواد منزلية مصنوعة من نحاس ورصاص وأليمينيوم وغيرها بأسعار مناسبة، وأنه لا يرتاد هذه الأماكن سوى من يعرف جيدا قيمة الأشياء المعروضة فيها’.

وفي تصريح للأناضول يقول رياض المرابط، الباحث في مجال التراث، إن “هذه السّوق الشّعبية كانت سوقا صغيرة تلتئم بين صلاتي العصر والمغرب في إحدى بطاح العاصمة (بطحاء أي مكان منفتح يمكن أن يعرضَ فيها الباعة بضائعهم) ومن ثمّة تطوّرت بعد الاستقلال وكانت متخصصة في بيع الخُردة، والأجهزة القديمة والمستعملة’.

ويضيف أيضا أن “هذه السّوق لم تكن موجودة قبل العهد الحسيني (1705-1957) على غرار أسواق المدينة العتيقة وأن مشهد الأسواق ( أسواق المدينة العتيقة) بدأ يتركز منذ العهد الحفصي (1228-1537)، ولكن سوق العصر تطوّرت بالشكل الذي هي عليه الآن خاصّة بعد استقلال تونس (1956) أكثر وكانت مختصّة في بيع الأثاث والسلع القديمة.’

ويشير كذلك إلى أن “هذه السوق بقيت على ملامحها القديمة، فأحيانا تجد أشياء لا قيمة لها ولكنها تستمد قيمتها من تاريخ هذه السّوق.’

ويتابع في سياق متصّل أن “المنطقة التي توجد بها السوق حاليّا، كانت في العصر الحفصي منطقة راقية جدّا وقريبة من إقامة السلاطين ومن نهج ممر السلطان وَكانت حينها مخصصة لبيع السلاح لتتطور فيما بعد وتصبح سوقا للأثاث المستعمل’.

وتبقى مطالب هؤلاء الباعة في تحسين وضعيات عيشهم، خاصة وأنهم من ذوي الدّخل المحدود وليس لديْهم مورد رزق غير الاقتيات مما يبيعونه في هذه السّوق على قائمة الانتظار، فقد تتحقق يوما ما وقد لا تتحقق.

Comments are closed.