“عيد الشهداء” في تونس.. ذكرى تمر حزينة على عائلة رجل أمن من ضحايا الإرهاب

المشرف
المشرف

لم تكن الذكرى الـ 77 لعيد الشهداء في تونس التي مرت يوم أمس في منزل نيثر العيادي، رجل الأمن التونسي (24 عاما) الذي قتل إثر إطلاق نار على منزل وزير الداخلية السابق لطفي بن جدو قبل عام سوى مناسبة حزينة أخرى.

ويحيي التونسيون في 09 أبريل/ نيسان من كل ذكرى “عيد الشهداء’ عندما واجه المتظاهرون التونسيون عام 1938 أعوان الأمن والجيش الفرنسيين في شوارع تونس العاصمة ما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى برصاص المحتل.

عائلة العيادي لم تتلق دعوة من أي مسؤول لحضور موكب رسمي بالمناسبة لرد الاعتبار لابنها وتكريمها كما جرت العادة مع عدد من عائلات ضحايا العمليات الإرهابية، كَمَا لم يزرها أي مسؤول ما ضاعف حزنها وتدفقت دموعهم من جديد.

وتعرض منزل وزير الدّاخلية السابق لطفي بن جدو الموجود بمحافظة القصرين (وسط غرب) إلى هجوم إرهابي في مايو/أيار 2014 ما أسفر عن مقتل 4 أعوان أمن من بينهم “نيثر’ وإصابة آخر.

وعلى جانب ضريح ابنه الّذي أحاطه بأكاليل من الزهور البرية ووضع في واجهته صورته بحجم كبير، جلس الوالد الخمسيني “جمعة العيّادي’ يحاكي صورة ابنه كما لو أن صاحبها حي يرزق والحال أنه وري الثرى منذ أيار/مايو 2014.

لم يشارك الأب جمعة في إحياء ذكرى الشهداء سوى الابن الأكبر محمّد (26 سنة)، وجلسا وحيدان في مقبرة معتمدية نصر الله جنوب محافظة القيروان (وسط)، وهي منطقة تطل على جبل يدعى “الشراحيل’.

انتظر جمعة ونجله في المقبرة طويلا وصول شخصيّات سياسيّة وعدت بتكريم “الشهيد’ لكنهم نكثوا الوعد ولم يصلوا ولم يعرف سبب تغيبهم. ولم تكن هي المرّة الأولى التي يغيب فيها المسؤولون عن العائلة ويغفلون الاتصال بها.

وبعد فراغه من زيارة ضريح ابنه، وهي زيارة يوميّة لم يملّ منها، يعود الوالد جمعة مثقل الخطى إلى منزل العائلة، تتلقفه سيارة نقل عمومي تختصر مسافة 7 كيلومترات غير مهتم بحالة الطريق السيئة.

ويقول العيادي لوكالة الأناضول إن “الجميع نسي ذاك الشاب الذي كان يحب الكل ولكن العائلة لم تنس ولم تجف عبراتها، ولم يتذكره أحد منذ موكب دفنه قبل سنة، الذي حضره حينها كاتب دولة في حكومة مهدي جمعة (رئيس الوزراء السابق) ومحافظ القيروان’

ويتابع: “لم يعد يتصل بالعائلة منذ ذاك التاريخ أي مسؤول منهم بمن في ذلك مسؤولو وزارة الداخليّة وممثلو نقابات الأمن وزملاء نيثر في سلك الأمن ولا أصدقاؤه المقربون’

وبالتحول إلى منزل الفقيد، الذي غطت جدران غرفه الضيقة بمنزل العائلة ألوان العلم التونسي خاصة ذاك العلم الضخم الذي سّجي فيه يوم دفنه، مشهد بدت فيه العائلة وكأنها تحي عيد الشهيد كل يوم بمفردها.

أما غرفته الخاصة فقد حولتها العائلة إلى مزار أو قاعة عرض بها الأعلام والصور التذكاريّة ومعلقات الشكر والشهادات المهنية والشهادات الدراسيّة التي تحصل عليها الفقيد.

صابرة العيّادي، والدة “نيثر’ لم تكفكف دموعها منذ فارقته، فهناك أشياء كثيرة تجعلها تبكي في اليوم أكثر من مرّة خاصة وهي تنتظره على مائدة الطعام ليلا وتظنه سيأتي، أو كلما شاهدت على شاشة التلفزيون مراسم دفن جنود سقطوا أيضا على أيدي الإرهابيين.

صابرة التي كان لها نصيبا وافرا من اسمها، قالت لـ’الأناضول’ إن وعود المسؤولين برد الاعتبار لابنها الذي قدّم روحه فداء للوطن لكنها لم تتحقق يزيد من حزنها أكثر.

لكن اكثر ما آلم العائلة هي المراسلة التي تلقتها من دائرة المحاسبات التابعة لإحدى إدارات وزارة المالية في المنطقة والتي تطالب فيها نيثر عيادي بـ’إرجاع أموال عمومية’ حسب نص المراسلة، في إشارة لآخر شهر تقاضاه الشهيد من راتبه قبل استشهاده في 27 مايو/أيار 2014، حيث لم يسمح له الإرهابيون بإكمال الشهر مثل الـ 25 شهرا من العمل التي أنجزها قبل مقتله.

وتحتفظ العائلة بتفاصيل ومعطيات تعتبرها “حقائق’ عن الحادثة التي وقع فيها ابنها شهيدا.

ولم تكن الوالدة صابرة تدرك بشكل جدّي، عندما قال لها “نيثر’ مازحا “سوف لن أعود’، أنه سيكون آخر ما يرسخ في ذهنها.

ولم تكن الأم تعلم وهي تدعو لولدها “نيثر’ وتدعوه الى الانتباه واليقظة، أن أجله قد اقترب رغم طمأنة أسرته أنه يحرس منزل وزير الداخليّة على أساس أنه مؤمن بشكل جيد ولا يجسر أحد على مهاجمته ثم حصل العكس.

ويقول والد “نيثر’ إنه اكتشف حقائق حول ملابسات مقتل نجله من خلال بحثه الميداني، وعن طريق شهادات لمواطنين وزملاء “الشهيد’، منها أن ابنه يعمل عادة ضمن منطقة الشرطة بالقصرين (وسط غرب) وصادف يومها أن تغيب أحد الأعوان المكلفين بحراسة منزل وزير الداخلية السابق لطفي بن جدو بالجهة، فكلّف “نيثر’ بتعويضه ليلتها.

وحسب جمعة العيادي فإن ابنه لم يكن يرفض أيّة أوامر في العمل ويجتهد في عمله وله سجل حافل بالعمليات التي نال من أجلها شهادات تقدير منها القبض على مجرمين ومتهمين بالإرهاب.

وأفاد الوالد ان ابنه أسرّ للعائلة قبل مقتله بكونه مراقب من قبل شخص “سلفي’ يتبعه في أكثر من مكان، وأنه تمكن من إيقاف أحد أشقاء “مراد الغرسلِي’ (أحد أكبر المطلوبين من قبل وزارة الداخليّة في قضية الهجوم على منزل الوزير)، بحسب رواية العائلة.

طبيعة الموقع الذي تم استهدافه وشهد مقتل “نيثر’ جعل عائلته تتساءل.. كيف أنه لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه المسلحين؟ رغم قرب منطقة الشرطة من مكان الهجوم وتفطن الأعوان (رجال الأمن) لكنهم لم يطلقوا النار. العائلة أكدت تشبثها بكشف الحقيقة قبل الذكرى الأولى لرحيل ابنها.

ويَذكر محمد الشقيق الأكبر، أن “نيثر’ كان كثيرا ما يتمنى أن يموت في المواجهة وبالرصاص وهو يشاهد موكب جنازات زملائه ويحضرها، وأن يقام لو موكب جنازة مثلهم.

ويروي محمد لـ’الأناضول’ أنه طالب في وقت سابق أن يتم انتدابه في سلك الشرطة مكان شقيقه، ولكن مؤهلاته والإجراءات الإدارية لم تسعفه، خاصة وأن العائلة في حاجة إلى معيل وسند مادي ينفق عليهم ويعوّض دور “نيثر’ في كفالة الأسرة.

ولكن لم تكتمل فرحة محمد بالوظيفة التي منحت  له بمقر معتمدية نصر الله (إدارة محلّية تابعة لوزارة الداخلية)، فهو يعمل بها منذ 8 أشهر ولم يحصل على راتب  واحد طيلة الفترة.

وفي المقابل فإن عائلة “نيثر’ تؤكد أنها ترفض المتاجرة بدم ابنها الشهيد، ولكنها تعتبر أن كل اتصال أو تدخل رسمي يخفف عنها الضغط النفسي الذي تعانيه ويجعلها مرتاحة البال.

وبسبب ما تصفه بـ’التجاهل’ المتواصل من قبل المسؤولين، تعتبر أن “تضحيات ابنها من أجل الوطن قوبلت بجفاء المسؤولين وافتقاد للدعم المعنوي والمادي’

ومن المقترحات البسيطة التي عرضتها العائلة على البلديّة، هي تسمية شارع باسم ابنها “الشهيد’ وتسمية ساحة “7 نوفمبر’ كما كان يطلق عليها قبل ثورة 2011، باسم ابنها واِقترح صديق للعائلة تسمية اسم المقبرة المدفون بها “الشهيد’ باسم “نيثر العيادي’.

Comments are closed.