عين ياقوت منبع تاريخي

بقلم يوسف عليوة – إختصاصي في العلوم الزراعية

المشرف
المشرف
منبع ثاقوث
منبع ثاقوث
 يوسف عليوة

يوسف عليوة

على ضوء ما أوردته بحوث علماء التاريخ والآثار و التي تشهد بأن منطقة عين ياقوت كانت قد مرت منذ القدم على عدة أحداث وتغيرات ساهم فيها تزاوج موقعها الإستراتيجي مع طبيعة سكانها الذين يعتبرون من أمازيغ الأوراس و الذين لعبوا دورا هاما في رسم المعالم التاريخية للمنطقة. إن أصل تسمية “عين ياقوت’ هو “ثاقوث’ وهي كلمة أمازيغية تعني بالأمازيغية “الضباب’ وهذا نسبة إلى منبع “ثاقوث’ الطبيعي. وصفت في نهاية القرن الثامن عشر من طرف عالماء الطبيعة بعذوبة مائها وغزارته. حتى هناك من العتماء من بنيت له نافورة خاصة به، يتدفق ماؤها من عدة فتحات.هذا الكنز الطبيعي الذي تزخر به منطقة عين ياقوت و المتمثل في مائها العذب قطبا فلاحيا منذ القدم والذي مازال يجري لحد اليوم كان مصدرا هاما لسكان المنطقة وعابري السبيل.

يثبت عالم الآثار “ستيفان جزال’ أن عين ياقوت كانت مأهولة بالسكان الأصليين النوميديين منذ فترة الوندال مستدلا في ذلك بالقطع النقدية النوميدية المنتشرة من وادي الشمرة إلى ضواحي عين ياقوت، وأيضا من خلال تواجد الضريح الملكي “مادغاسن’. خلال التواجد الروماني بنوميديا، أحتلت منطقة عين ياقوت مكانة هامة، حيث أسست فوق أرضها مدينة رومانية أعتبرت من أهم مدن الامبراطورية، نظرا لموقعها على الطريق الرابط بين “سيرتا’ و’لامباسيس’ (تازولت حاليا). أسست المدينة خلال القرن الثاني الميلادي ، في عهد الإمبراطور ’’سيبتيموس سيفيروس’’ وعرفت بإسم جيبانسيس (GIBBENSES) أو(GIBBA) وفقا لما أورده جزال في دراسته حول آثار شمال الأوراس، وإشتهرت في تلك الفترة بإنتاج زيت الزيتون، وهو ما تؤكده المعاصر الحجرية المنتشرة بأرياف عين ياقوت والتي مازالت موجودة ليومنا هذا.

 منطقة مقاومة و رافضة للإستعمار

أما مدينة جيبانسيس فقد إندثرت ولم يبق منها سوى ما هو مدفون تحت الأرض، و لعل أهم سبب في ذلك هو إستعمال حجارها من طرف المستعمر الفرنسي في تشييد طريق قسنطينة باتنة وفقا لما أورده المؤرخون. كما شهدت المنطقة أيضا تواجد البيزنطيين من خلال آثار لحصن بمدينة جيبانسيس، خلال فترة التواجد العثماني ، تم تأسيس محطة كانت خاصة لراحة القوافل من عناء السفر وذلك بالقرب من منبع “ثاقوث’ . عرفت باسم “كرافان سراي” أي الفندق، و لعل أهم حدث يمكن ذكره خلال تلك الفترة هو المعركة التي وقعت بين أولاد سي علي و العثمانيون سنة 1822 ، حين رفض أولاد سي علي الإعتراف بسلطة عناصر المخزن ودفع الضرائب المفروضة عليهم ، ما دفع قائد الزمالة إلى رفع شكوى ضدهم إلى باي قسنطينة من أجل ردعهم خصوصا أنهم كانوا يستعينون بالجبال المجاورة للإحتماء. فكان أن تنقل الباي شخصيا على رأس عناصره، لكن أولاد سي علي رفضوا الرضوخ وبحكم معرفتهم بالمنطقة، جروا عناصر الباي إلى ممرات ضيقة حيث إنهالوا عليهم بالطلقات النارية، فكانت خسائر العثمانيين وخيمة، أين تم القضاء على قائدين أحدهم برتبة خليفة، و الآخر هو الباشا شاوش إسماعيل بالإضافة إلى الكثير من الخسائر.

بعد دخول الإحتلال الفرنسي إلى الجزائر، دخلها الفرنسيون سنة 1844، حيث شيدت بها أبنية، منها مقرا للجيش الفرنسي تحول فيما بعد إلى مقرا للدرك الوطني ومحطة للراحة حول منبع “ثاقوث’. في سنة 1884 ألحقت عين ياقوت إداريا ببلدية عين لقصر. حافظت عين ياقوت على مكانتها بين مدن المنطقة من خلال موقعا الإستراتيجي، حيث أنشىء بها سوق أعتبر من أكبر أسواق الشرق الجزائري. خلال حرب التحرير، لعبت عين ياقوت دورا بارزا في تحرير البلاد من خلال مساهمتها على عدة أصعدة، فقد أعتبرت مركزا للدعم اللوجيستيكي لعناصر جيش التحريرالوطني من خلال توفيرها للمؤونة والأسلحة لأفراد ه، وعلى الصعيد البشري، ضحى أولاد سي علي بخيرة أبنائهم في سبيل تحرير الجزائر، مقدمة ما يقارب 150 شهيدا، نذكر منهم العقيد محمد عموري، قائد الولاية الأولى وعضو في قيادة أركان جيش التحرير الوطني. وفي سنة 1957 أنشأت بلدية عين ياقوت. حاليا تشهد عين ياقوت نموا سريعا، بإعتبارها مركز عبور هام يربط بين عدة مدن إستراتيجية. و من خلال طبيعة النشاط الفلاحي لسكانها، الذين إحترفوا تربية الحيوانات والزراعة.

من خلال ما تم ذكره، يتضح جليا أن تراب المنطقة كان شاهدا على أحداث كثيرة، وربما ما يجهل منها كان أعظم، الأمر الذي يفرض علينا تسليط الضوء عليها على تاريخها خاصة في مجالي التاريخ والآثار، وبالسعي إلى حماية المناطق الأثرية المتواجدة بتراب المنطقة، خاصة في ظل التخريب والنهب الذي تتعرض له كل يوم من طرف أعداء التاريخ.

 

سوق عين ياقوت : تمر جاف و غرس من بسكرة (1956)

سوق عين ياقوت : تمر جاف و غرس من بسكرة (1956)

 

2015-02-27_1721

 

المراجع

  • Annales des sciences naturelles: Botanique et biologie végétale, Paris,1855.
  • Exploration archéologique dans le département de Constantine (Algérie), Paris, 1894.
  • Annuaire de la Société Archéologique de la Province de Constantine, Constantine, 1855.
  • Algérienne, Société Historique. Revue Africaine. 1856.

 

Comments are closed.