فاصبر صبراً جميلاً

المشرف
المشرف

الصبر في مجال الدعوة إلى الله أمر من الأهمية بمكان، حيث الحاجة إلى الكثير الكثير من التحمل، والجَلَد، والثبات، والاستمرار، الحاجة إلى الحلم، وسعة الصدر، كما هي الحاجة إلى تحمل الإيذاء مادة ومعنى؛ لذلك جاء قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {فاصبر صبرا جميلا} (المعارج:5). لنا وقفة مع هذه الآية.

الملاحظ في الآية الكريمة أنها وصفت (الصبر) المأمور به بأن يكون {جميلا}، وقد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بـ (الصبر الجميل) هنا هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله، والصبر على أذى المشركين. ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما في المراد بـ (الصبر الجميل) في الآية قوله: (لا تشكو إلى أحد غيري). وقال الطبري في بيان المراد: “اصبر على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة’.

فحاصل المراد فيما ذكره المفسرون في المراد من الآية هو التسلح بالصبر في مواجهة مشاق الدعوة، وعدم الجزع والشكوى، وتسليم الأمر إليه سبحانه.

ونقل الطبري في هذا الصدد عن ابن زيد أن الأمر بـ (الصبر) كان في بداية الدعوة، ثم نُسخ بالآيات الآمرة بقتال المشركين، والحاثة على مجاهدة الكافرين. وقد بيَّن الطبري أن ما ذهب إليه ابن زيد من دعوى النسخ “قول لا وجه له، وليس ثمة دليل على صحته؛ إذ ليس في أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في (الصبر الجميل) على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمراً منه له به بداية أمر الدعوة؛ بل كان ذلك أمراً من الله له به في مراحل الدعوة كافة؛ لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم من لدن بعثه الله إلى أن توفاه في أذى منهم، وهو في كل ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذى قبل أن يأذن الله له بحربهم، وبعد إذنه له بذلك’.

والأمر الجدير بلفت الانتباه إليه في هذه الآية، هو وصف (الصبر) بـ (الجميل)، وهو معنى لم يطل المفسرون الوقوف عنده؛ لوضوحه، ذهاباً منهم إلى أنه لا يحتاج إلى شرح وإيضاح. مع أن هذا الوصف يحتاج إلى مزيد تأمل؛ وذلك أن الناظر إلى الحياة نظرة واقعية، يجد أن المشاق تشغل مساحة غير صغيرة منها، وللتغلب على هذه المشاق وتحملها، يحتاج الإنسان فيها إلى الصبر، وترك هذا الميدان يعني ترك مساحة كبيرة دون تغطية، والإسلام يحمل الخير والجمال لهذا الإنسان في كل حالاته، وكل مجالاته؛ ولذا لم يترك هذا الجانب دون أن يزينه بجماله، فكان الصبر الجميل.

و(الصبر الجميل) تجلد وأمل، إنه اطمئنان نفسي وروحي، إنه الموقف الأحسن والأجمل، وبعبارة أوضح نقول: إن عملية تجميل الصبر هذه ليست زخرفة قول، ولكنها حقيقة يمكن الإشارة إلى عناصرها الأولية وفق التالي:

– جعل الله للصبر الجزاء الجزيل، والدرجات العلا، وقد تأكد هذا بالكثير من آيات القرآن الكريم، وبالكثير من أحاديث الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، ونكتفي هنا بقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

– إن الله تعالى جعل معيَّته للصابرين في آيات عديدة، منها قوله عز وجل: {إن الله مع الصابرين} (البقرة:153)، وقوله سبحانه: {والله مع الصابرين} (الأنفال:66).

– الإيمان بالقدر؛ حيث يطمئن المسلم إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه، قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} (الحديد:22).

هذه العوامل تجعل (الصبر) متقبلاً ومتحملاً، فالنفس مطمئنة مرتاحة إلى قدر الله، لا ينتابها القلق، ولا يشل حركتها الخوف. ثم هناك الأمل الكبير بثواب الله، كما أن الراحة عظيمة بشعور المؤمن أن الله معه في صبره يرعاه، ويسدد خطاه، وكلها عوامل إن لم تقضِ على مرارة الصبر، فإنها تخففها إلى حد كبير حتى يصبح مقبولاً، وليست مهمة الجمال في هذا الميدان إلا هذه.

وبهذا يظل المسلم في رحاب الخير، كما ورد في الحديث الشريف: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له) رواه مسلم.

[ملحوظة: الفقرات الأخيرة المتعلقة بوصف الصبر بـ (الجميل) مستفادة من كتاب (الظاهرة الجمالية في الإسلام) لمؤلفه صالح أحمد الشامي].

Comments are closed.