فقهاء وباحثون يدعون من المغرب إلى "استرداد الدّين من مُختطِفيه"

المشرف
المشرف

وسط مشاهد الأعمال الإرهابية والقتل والدماء المسفوكة باسم الإسلام من طرف المتطرفين، والتي يوازيها من الجانب الآخر تنامي العداوة ضد المسلمين، قدم عدد من الفقهاء والباحثين المغاربة طيفا من الصور المشرقة عن الإسلام، من خلال سبْر أغوار سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين، في اللقاء الوطني السادس لـ’مركز خديجة رضي الله عنها لنصرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم’ بالرباط، السبت.

بدر مفتاحي، باحث قي الدراسات الإسلامية، والذي تطرق في مداخلته إلى موضوع تعامل الرسول محمد مع أهل الكتاب، لم يتردّد في القول إنّ الدين الإسلامي، كما هو حال الديانتين المسيحية واليهودية، تعرض “للاختطاف’ من طرف المتطرفين، قائلا: “نعاني من اختطاف الدّين، فالمتكلّمون من المسلمين والمسيحيين هم متطرفوهم، بيْنما المتنورون منهم منكمشون، وعلينا أن نعيد الدين إلى العقلاء’.

وربط مفتاحي سيادة السّلم في العالم بسحْب البساط من تحت أقدام المتطرفين، وإبعادهم عن الدّين ليتولاه العقلاء، مستشهدا بقول الإمام الغزالي: “لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف’، وأشار المتحدث إلى أن المدرسة المحمّدية تصلح أن تكون قدوة ليس للمسلمين فحسب، بل لباقي أتباع الديانات الأخرى، وحتى غير المتدينين، لقدرتها على احتواء جميع الأديان وجميع الأنماط البشرية.

وتوقف عدد من المتدخلين، خلال اللقاء الذي ناقش موضوع “المسلم والآخر في المدرسة المحمدية’، عند مفهوم “الآخر’، وكيف تعامل معه رسول الإسلام، واستحضروا جوانب مشرقة من تاريخ الإسلام في عهد الرسول وفي عهد أصحابه، تُبيّن الهوّة السحيقة بين ما كان عليه الإسلام في تلك العصور من انفتاح على الآخر، وبين ما آل إليه في الوقت الراهن.

محمد جولات، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، قال إن من الأسباب البارزة في نجاح مؤسسة الدعوة الإسلامية، تركيزها على أهمية التعامل مع الآخر، مشيرا إلى أن الثقافة الإسلامية لم يُكتب لها النجاح بشكل اعتباطي، ففي حين لعب المعتقد دورا أساسيا، هناك عامل آخر أسهم في نجاحها، وهو الجانب التواصلي والميكانيزمي، الذي أوصلها إلى ما هي عليه.

واستطرد جولات أن انتشار الإسلام لم يتأتّ من خلال الانتصار على الآخر، بل جاء في سياق سمح للثقافة الإسلامية بالهيمنة على الثقافات الأخرى، التي لم تراع ما يُصطلح عليه في العصر الحالي بحقوق الإنسان، بينما حرص المسلمون على إيلاء هذا الجانب أهمية كبرى، مشيرا في هذا الصدد إلى قصة مقاضاة نصراني لعلي بن أبي طالب، فحُكم لصالح النصراني ضد الخليفة.

وقد أسلم النصراني بعد أن حكم القاضي لصالحه ضد رئيس الدولة (خليفة المسلمين)، وشرح الأستاذ جولات ردّ الفعل هذا بكونه جاء “بعدما تزعزعت الثقافة الدينية التي كان يؤمن بها النصراني، حيث وجد في الإسلام أسمى معاني العدل والمساواة’، مضيفا أن الحياة التي أقامها الإسلام بُنيت على أساس المساواة بين الناس والعدل بينهم بعضّ النظر عن مراتبهم الاجتماعية، وهو ما مكّن الثقافة الإسلامية من وضع ميثاق موحد لحقوق الإنسان.

وفي الوقت الذي تنفذ الجماعات المتطرفة جرائم القتل والإرهاب باسم الدين الإسلامي، قال رئيس المجلس العلمي المحلي لبرشيد، عبد المغيث بصير، إن المطلع على نصوص الفقه الإسلامي سيجد أن المسلمين كانوا يعاملون الغير (الآخر) بكامل السماحة ولم يلجؤوا إلى العنف أو الحرب إلا في الحالات التي استدعت ردّ العدوان، داعيا الباحثين، خاصة الذين يتقنون اللغات الأجنبية، إلى طبع المؤلفات لشرح الإسلام حتى يتحقق التواصل مع الآخر.

المتحدث أكد أن التواصل مع الآخر سيقلص تأثير المروجين لخطاب الإسلاموفوبيا في الدول الغربية، لكنه حثّ على أن يناقش الباحثون المسلمون القضايا المعرفية والمستجدات التي تطرح إشكالات وتثير تساؤلات، بدل الانشغال بأمور العبادة وحدها، حتى تتبدّد الصورة القاتمة التي يرسمها المتطرفون عن الإسلام، مشيرا إلى دراسة نشرت مؤخرا من قبل جامعة ميشيغن الأمريكية، كشفت أن عدد القتلى في العالم الذين قتلهم المسلمون لم يتعدّ اثنين في المائة، في حين إن 98 بالمائة منهم قتلوا من طرف غير المسلمين.

وبالنسبة لمولاي عبد الله الشريف الوزاني، فإن المروجين لصور مغلوطة عن الإسلام من المتطرفين، “إما إنهم فهموا الإسلام غلطا، أو يسعون إلى أشياء أخرى’، متسائلا: “يقولون إن الإسلام يحض على إلغاء الآخر، والانتقاص منه وقتله لأنه ليس مسلما، فهل هكذا تعامل الحبيب صلى الله عليه وسلم مع الآخر؟’، مضيفا: “هذه المواقف تشوه الإسلام، ويتأذى منها المسلمون المقيمون في بلدان غير إسلامية’.

وحث المتحدّث على قراءة سيرة النبي وتفحص مواقفه، سواء في مكة المكرمة، مهد الدين الإسلامي، أو بعد إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وقراءة الآية القرآنية “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة…’، قائلا: “علينا أن نُفعِّل مضمون هذه الآية، ونستخلص منها منهاجا ونتخذها نبراسا نهتدي به ونرسم به أهدافا سامية نتعامل من خلالها مع الآخر’.

 

Comments are closed.