فنون قص الشعر في إفريقيا.. ليست كلها للتزين

بعض أفراد القبائل الافريقية يحلقون شعر الرأس بالكامل في إشارة إلى الحداد، والبعض الآخر يقصونه ليعلن عن زواجه أو مشاعره أو هويته الثقافية والاجتماعية

المشرف
المشرف

حلاقة شعر الرأس في البلدان الافريقية، أو طريقة تصفيفه، تختزل أكثر من بعدها التجميلي الظاهر للعيان، بل يتعدّاه لتصبح وسيلة للتشخيص النفسي، فنوعية الحلاقة تشي إن كان الشخص فقد عزيزا عليه، أو تزوّج حديثا، أو هو بصدد البحث عن شريك حياته، إلى غير ذلك من المؤشرات التي دخلت قاموس العادات والتقاليد الافريقية منذ سالف العصور، وفقا لشهادات متفرّقة للأناضول.

هي أرملة فقدت ابنتها وولديها تباعا.. بيرث نانا، كاميرونية في حوالي الـ 80 من عمرها، كانت في كلّ مرّة تودّع فيها أحد فلذات كبدها، تقوم بحلق رأسها بالكامل.. “إنّها التقاليد’، تقول بصوت خافت يكاد يتماهى مع الصمت الحزين الذي يلفّ ملامحها، فـ “لدينا نحن الباميليكي (شعب إستقر غربي الكاميرون)، فإنّ حلاقة الرأس تعدّ وسيلة لتوديع أولئك الذين رحلوا، والإنخراط في فكرة الحداد التي يفرضها الموت’.

حلاقة الرأس تتجاوز في القارة السمراء البعد التجميلي المتعارف عليه في شتى أنحاء العالم، لتصبح وسيلة للتواصل ولكشف الهوية الاجتماعية والثقافية. فبالنسبة لبعض القبائل والمجموعات العرقية الافريقية، فإنّ طريقة حلق الرأس تشكّل وسيلة للتخاطب ولبثّ رسالة، بل بإمكانها تقديم معلومات بشأن الصفة الاجتماعية أو العائلية للشخص، وحتى عن حالته النفسية في بعض الأحيان.

بيرث عادت، في حديث للأناضول، بذاكرتها إلى الوراء، لتستعرض محطات بارزة في حياتها بهذا الشأن.. كانت صديقة للملكة بامينا (قرية تقع غربي الكاميرون)، وهي إحدى بنات عم الملك الحالي لبانغو (غرب/ سلطات تقليدية موجودة في الكثير من البلدان الافريقية).. قالت “حين كنت صغيرة، لم أكن أظفر شعري عندما كنت أذهب رفقة والدتي لحضور الحفلات في القرية، وجميع الفتيات في سني كنّ يحتفظن بشعرهن طبيعيا دون ظفائر أو ماشابه، ولم يكن علينا سوى أن نمشّطه بأصابعنا ليتّخذ الشكل الذي يلائمنا.. كنا نشعر بأننا جميلات، لأنّ حتى الرجال أو أزواج المستقبل، في ذلك الحين، كانوا يفضلون النساء على حالهن ذاك’.

“إثر ذلك’، تتابع بيرث، “وتحديدا خلال خمسينيات القرن الماضي، أي حين تزوّجت، تغيرت الموضة، وبدأت النساء، وخصوصا المسلمات منهن والأميرات، في ظفر شعرهن’.

أمّا في بوركينا فاسو، فالأمر لا يختلف كثيرا، وحلاقة شعر الرأس تبثّ، في معظم الأحيان، رسالة خاصة، تمنح الآخرين العناصر اللازمة لتكوين موقف أو رأي بشأن صاحبها، إذ يمكن التعرّف عبرها على السيدة المتزوجة حديثا، أو التي فقدت زوجها، أو المرأة العزباء وغيره.. كما أنّ الأمر لا يقتصر على ذلك، وإنما تكشف عن مشاعر الحبّ أو الرغبة الجنسية والشجاعة، بحسب المختص الإجتماعي بجامعة واغادوغو، الدكتور علي سولاما.

سولاما قال للأناضول إنّ “حلاقة شعر الرأس هي وسيلة للتعبير عن الحالة النفسية خلال فترة معيّنة من حياة الشخص، وهذا ما يفسّر اختلافها بحسب الإثنية التي ينتمي إليها ووفقا لمسيرته في الحياة بشكل عام’، موضحا أنّ “شعر الرأس يعتبر من خصوصيات المجتمع في بلدان سينوفو، إحدى التشكيلات الاجتماعية غربي بوركينا فاسو’.

فـ “لدى تلك المجتمعات، ينبغي حلق شعر الرضيع بمجرد ولادته، وذلك باتباع جملة من القواعد. وحين تواجه سيدة ما صعوبات في الإنجاب، يتم حلق رأس المولود من الجانبين مع ترك القليل من الشعر أعلاه، وهذا الأمر كفيل بحماية الطفل من الأرواح الشريرة بحسب المعتقدات السائدة هناك، وهو أيضا علامة تكشف عن جملة الصعوبات التي لاقتها بعض الأمهات في وضع ذلك المولود إلى العالم’.

وفي مالي، تشكّل الحلاقة أيضا إحدى عناصر الهوية الثقافية والإجتماعية لدى بعض العرقيات مثل الفولانيين (شعب مستقر في بعض بلدان غرب افريقيا)، بحسب أميناتا، وهي شابة مالية لديها اهتمامات بهذه المسألة، مضيفة أنّ “طريقة الحلاقة يمكن أن تكشف حالة المرء الإجتماعية، بمعنى هل هو متزوج حديثا أم أرمل أم مطلّق’.

أميناتا أعربت للأناضول عن أسفها لرؤية الكثير من طرق الحلاقة التقليدية تندثر تدريجيا، معترفة بالآن نفسه بأنّ “الكثير من النساء الأفارقة لم ينخرطن ضمن موجة عشاق الشعر الانسيابي والحريري، ولازلن يفضلن الشعر المجعّد، متمسّكا، بذلك، بهويتهن.. إنها طريقتهن لاسترجاع وللمحافظة على هويتهن الإفريقية’.

موقف أيّده إيريك وهو صاحب محلّ حلاقة في حي إيسوس بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، حيث قال للأناضول إنّ “نساء افريقيا، وخصوصا الكاميرونيات منهن، أصبحن يملن بشكل لافت إلى الشعر السلس والانسيابي، وذلك رغم طبيعة شعرهن الأصلي، حيث تزايد طلبهن على ملحقات الشعر وعلى المنتجات المتعلّقة به’.

وتعقيبا عن الموضوع، قال المختص الاجتماعي والأستاذ بالمدارس النموذجية في الكاميرون، إيف فاليري أوبام، للأناضول، إنّ “بعض التسريحات الافريقية مثل الظفائر بدأت تفسح المجال لتسريحات جديدة تشكّل موضة العصر، وبعض النساء الأفارقة يحبّذن الحصول على شعر انسيابي وحريري شبيه بذاك الذي يميّز النساء البيض’.

 

Comments are closed.