فى أن الوهن العربى أضعف الإنجاز الفلسطينى

فهمي هويدي
فهمي هويدي

من مفارقات زماننا ان أكبر إنجاز عسكرى حققته المقاومة تم فى أسوأ ظروف عربية يمكن ان تخطر على البال.

(1)

لا أتحدث عن المآلات، لأن ملف الحرب لايزال مفتوحا، وانما أعنى ما تحقق حتى الآن على الأرض. أدرى أن الانجاز لم يتحقق بالمجان، ولكن القطاع دفع ثمنا باهظا له. لست غافلا عن دماء نحو 2100 شخص قتلوا بينهم 68 أسرة أبيدت عن آخرها، إضافة إلى عشرة آلاف و400 آخرين أصيبوا جراء القصف الإسرائيلى المجنون، كما ان نحو 900 منزل هدمت وتحولت إلى انقاض غير آلاف المنازل التى تضررت بصورة أو أخرى كما ان نحو نصف ميون فلسطينى تشردوا وأصبحوا بلا مأوى. وهى الأرقام التى أعلنها المركز الفلسطينى لحقوق الإنسان قبل أيام قليلة (فى 21/8). لكننى أفهم أن ذلك الانتقام لا يعد فقط أحد حلقات القمع والإبادة التى تمارس بحق الفلسطينيين منذ أربعينيات القرن الماضى، ولكنه أيضا رد على الضربات الموجعة والمحرجة التى وجهتها المقاومة إلى إسرائيل بجرأة وقدرة على التحدى لم تألفها منذ تأسيسها فى عام 1948. صحيح أن العمليات الفدائية الجسورة لم تتوقف منذ ذلك الحين، لكننى أزعم أن هذه هى المرة الأولى التى تتحدى فيها المقاومة الصلف والعربدة طوال نحو خمسين يوما متصلة (الحرب على غزة بدأت فى 8 يوليو الماضى). وهو تحد تجاوز الصمود والدفاع إلى الهجوم والتصدى بالصواريخ. تلك التى استهدفت أهم المدن الإسرائيلية حتى أوقفت الطيران فى مطار بن جوريون لعدة أيام، إلى جانب أن كثافة إطلاقها جعلت صفارات الإنذار تدوى أغلب الوقت فى مختلف المدن، الأمر الذى دفع مئات الألوف من الإسرائيليين إلى الاحتماء بالملاجئ لأول مرة. وفى الوقت الذى هزت الصواريخ الفلسطينية نظرية الأمن الإسرائيلى واستدرجتها إلى ما يشبه حرب الاستنزاف، فإن الانفاق التى وصل بها الفلسطينيون إلى مشارف بعض المستوطنات سببت صدمة ليس فقط لسكانها الذين أصيبوا بالرعب ولكن أيضا لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التى فوجئت بها حتى اعتبرت أحد مظاهر فشلها وعجزها عن تقدير مستوى القدرة العسكرية لدى الفلسطينيين رغم الحصار المحكم عليهم المستمر منذ نحو سبع سنوات.

(2)

نقطة الضعف الأساسية فى الموقف الفلسطينى كانت غياب الظهير العربى. ذلك ان غزة حاربت وحيدة، على الصعيدين العسكرى والسياسى. فلم يساندها نظام عربى ولا حتى الجماهير العربية بمن فى ذلك أغلب النخب والمؤسسات عالية الصوت. وفى حين قطعت بعض دول أمريكا اللاتينية علاقاتها مع إسرائيل. وتعالت أصوات عدد غير قليل من الأكاديميين والفنانين فى العالم الخارجى منادية بإدانة الوحشية الإسرائيلية، وفى حين خرجت 250 مظاهرة منددة بالعدوان فى أوروبا وأمريكا يوم 17/8، فإن الجماهير العربية غابت عن الساحة، إذا استثنينا ما جرى فى الأردن والمملكة المغربية. وإذ فاجأتنا استقالة البارونة سعيدة وارسى وزيرة الدولة البريطانية لشئون الجاليات من منصبها احتجاجا على موقف حكومة بلادها، فلم نعرف أن مسئولا عربيا واحدا عبر بأية صورة عن احتجاجه على الصمت العربى.

صحيح أن مصر قدمت مبادرة لوقف القتال ودعت الجميع للقاء فى القاهرة بعد ذلك. لكن المبادرة تجاهلت المقاومة الفلسطينية فى البداية، وتمت بناء على أفكار قدمها السيد محمود عباس ومشاورات مع الجانب الإسرائيلى، فى حين ان قيادات المقاومة علمت بأمرها من وسائل الإعلام. ولم يكن ذلك متأثرا فقط بموقف القاهرة من حركة حماس المتأثر بالصراع الحاصل فى مصر بين السلطة القائمة والإخوان، ولكنه كان أيضا تعبيرا عن موقف أقرب إلى الحياد النسبى التزمت به مصر طول الوقت، آية ذلك ان البيانات التى صدرت عن القاهرة لم تشر مرة واحدة إلى العدوان الإسرائىلى. ناهيك عن الاحتلال الذى هو أصل المشكلة. وبالتالى لم تعبر عن أية إدانة له. وظلت بيانات الخارجية المصرية تتحدث عن العنف المتبادل والأعمال العدائية من الجانبين والعمليات العسكرية. وفى بيانين اثنين فقط صدرا فى 28/7 و1/8 أدانت مصر مرة «بكل ثقة» ومرة أخرى «بأقسى العبارات» استهداف المدنيين الفلسطينيين. وهو ما فهم منه انه غض للطرف عن الهدف الأساسى للغارات التى استهدفت سحق المقاومة وكسر إرادتها.

تحضرنى فى هذا المقام قصة لابد أن تروى. وهى ان الرئيس جمال عبدالناصر حين قبل بمبادرة روجرز فى عام 1970، التى استهدفت وقف أعمال الفدائيين فى غور الأردن الموجهة ضد إسرائيل، (ايده فى ذلك الملك حسين) فإنه تعرض لهجوم شديد وقاسٍ من قبل منظمة التحرير. إذ أصدرت بيانات وصفت. الموقف بأنه «مؤامرة» واعتبرتها من قبيل «الحلول التصفوية والاستسلامية». ولم يكن سهلا آنذاك ان تطلق تلك الأوصاف على رجل بوطنية وكبرياء جمال عبدالناصر لكن الرجل تنازل عن كبريائه ونسى الخصومة حين دخلت منظمة التحرير فى صدام مع النظام الأردنى الذى سعى آنذاك لإخراج المقاومة من الأردن، فيما عرف لاحقا بأيلول الأسود، فتحرك بسرعة ودعا إلى قمة عربية فى القاهرة لمساندة المقاومة وإخراجها سالمة من الأزمة. قيل أن يلقى ربه فى نفس العام. وهى قصة تقدم نموذجا للارتفاع فوق الخصومات مهما بلغ عمقها دفاعا عن المصالح الاستراتيجية العليا، الأمر الذى صرنا أحوج ما نكون إليه فى الوقت الراهن.

(3)

الموقف العربى الرسمى بدا بائسا ومحزنا. من ناحية لأن العدوان الإسرائيلى وقع فى ظروف عربية نمت فيها توازع الانكفاء والقطرية، الأمر الذى أدى إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية، حيث بدا كل بلد مشغول بهمومه الخاصة. من ناحية ثانية فإن حوادث القتل والدماء الغزيرة التى ظلت تسيل فى غزة، لم تعد صادمة للرأى العام العربى. ذلك ان قتل 30 أو أربعين شخصا يوميا أو حتى تدمير بيوت وأحياء بأكملها صار خبرا عاديا فى سوريا والعراق وليبيا وبدرجة أو أخرى فى اليمن.

من ناحية ثالثة فإن الانقسام العربى، فى غيبة «الربَّان» وانكفائه، كان له أثره الفادح فى التشتت والانفراط الذى كانت له تداعياته الكارثية. وتمثل أخطر تلك التداعيات فيما فوجئنا به، حين اكتشفنا أن بعض الدول العربية أصبحت أقرب إلى المربع الإسرائيلى، فى حين وقفت دول أخرى فى صف إدانة العدوان ورفضه. واستغلت إسرائيل ذلك الموقف المحزن أسوأ استغلال. حين صارت تتحدث عن «تحالف» إسرائيلى عربى ضد المقاومة فى غزة (قيل انه ضد حماس) وأصبح ساستها وإعلاميون يروجون لمقولة استناد إسرائيلى إلى «شرعية عربية» فى تعاملها مع ما وصف بأنه «إرهاب فلسطينى»!. ليس ذلك فحسب وانما عمدت إسرائيل إلى تسريب أنباء عن تعاون مخابراتى عربى ساعدها فى العمليات والغارات التى قامت بها. ولم يكن «التعاون» مقصورا على التزويد بالمعلومات (وذلك أمر لا يستهان به) وانما وصل إلى حد استغلال بعض عناصر الإغاثة العربية لجمع المعلومات لصالح الإسرائيليين (قصة الهلال الأحمر الإماراتى نموذج لذلك).

حين ظلت جبهة النظام العربى تتعامل ببرود مشهود مع الانقضاض الإسرائيلى على قطاع غزة، فلا تنديد أو إدانة ولا سحب للسفراء ان وجدوا ولا تقليص للعلاقات ولا شكوى لمجلس الأمن، فقد كان طبيعيا ان ينعكس ذلك كله على موقف الجامعة العربية. ذلك ان غاية ما استطاعت الجامعة ان تفعله انها أصدرت بيانا فى 16/8، بعد نحو خمسة أسابيع على بدء العدوان دعت فيه إلى إنهاء العدوان الإسرائيلى، وجددت دعم الاقتراح المصرى الذى دعت إليه المبادرة لوقف إطلاق النار بصفة دائمة فى غزة.

(4)

فى هذه الأجواء طال أمد الحرب على نحو لم تتوقعه إسرائيل، التى لم تألف مواجهات تستغرقه هذه المدة، وهى التى اعتادت على الحروب الخاطفة والسريعة منذ تأسيس الدولة العبرية فى عام 1948. كان وزير الدفاع موشى يعلون قد دعا سكان المستوطنات القريبة من غزة فى البداية إلى الصبر لعدة أيام، لكن الأيام صارت أسابيع وهى الآن على وشك الدخول فى الشهر الثالث. ورغم ان غزة دفعت الثمن الباهظ الذى سبقت الإشارة إليه، إلا أن الحرب اربكت القادة الإسرائيليين الذين لم يجدوا لها نهاية فى ظل استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية، وفشل حملة التدمير الإسرائيلية فى إسكات المقاومة واخضاعها. إزاء ذلك فإن المياه تتحرك الآن فى الساحة الدولية ليس فقط لفك الحصار عن غزة، ولكن أيضا لمحاولة التقدم باتجاه حل جذرى للإشكال يفتح الباب لتنفيذ فكرة إقامة دولتين للشعبين العربى والإسرائيلى. وتتحدث الدوائر الدبلوماسية عن مشروع قرار أوروبى لمجلس الأمن ينص على حل مشكلة غزة بما يلبى احتياجات إسرائيل الأمنية ويفك الحصار، ويربط ذلك بمفاوضات لقيام دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967. كما تتحدث تلك الأوساط عن مشروع قرار أمريكى آخر يعدل من المبادرة الأوروبية بحيث يضيف إليها جعل القطاع منزوع السلاح. وفى كل الأحوال فإن صمود غزة طوال الأسابيع الأخيرة يشكل عنصرا حاسما للضغط باتجاه البحث عن حلول جذرية للأزمة.

ذلك لا يلغى المبادرة المصرية بطبيعة الحال. لأن مصر موجودة فى قلب المشكلة بأمر الجغرافيا على الأقل، وبرغم أى تغيرات تطرأ على اتجاهات الريح فيها. لكنه يطورها ويستثمر فكرة وقف إطلاق النار الذى دعت إليه المبادرة للذهاب إلى أبعد فى التعامل مع الأزمة. صحيح أن المبادرة لم تحقق شيئا حتى الآن، رغم ما قيل ذات مرة ان المفاوضات التى رعتها مصر بين الطرفين حققت انجازا شمل 95٪ من المشكلات العالقة، لكن تبين بمضى الوقت ان ذلك كان نوعا من التمنى لا علاقة له بالحقائق القائمة على الأرض. إذ ما عاد سرا ان إسرائيل لا تريد ان تقدم أى مقابل للمقاومة، وانها تريد أن تفرض ارادتها بقوة السلاح، وكل ما قيل عن قبولها لمبادرة وقف القتال كان من قبيل التمويه والكذب. وهو ما فضحه مقال نشره قبل أيام موقع «ديلى بيست» الذى استحوذت عليه مجلة نيوزويك، وروى فيه أحد الخبراء الأمريكيين ــ اسمه مارك بيرى ــ تجربته الخاصة مع الإسرائيليين. حين كلف فى شهر يوليو عام 2002 بترتيب وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين عقب الانتفاضة الثانية، وإذ عمل جاهدا لأجل ذلك، ولم يبق لانجاز المهمة سوى الحصول على توقيع قائد كتائب القسام آنذاك صلاح شهادة على الاتفاق. ولكن قبل عشر دقائق من سريان وقف إطلاق النار القت طائرة إسرائيلية طنا من المتفجرات على مقر قائد القسام، فقتلته وأبادت إلى جانبه 14 شخصا آخر. ثم قال له أحد الإسرائيليين وهو يحييه صبيحة اليوم التالى: انت لم تفهمنا جيدا، لاننا لم نكن راغبين فى وقف إطلاق النار!

السيناريو تكرر هذه المرة، مع فرق أساسى هو أن إسرائيل فشلت فى قتل قائد كتائب القسام محمد الضيف، لكنها قتلت زوجته وطفلته فقط. وفى الوقت الراهن فإن الملف لايزال مفتوحا، بعدما رفضت إسرائيل مشروعين قدمهما الوفد الفلسطينى لتثبيت الهدنة المقترحة. وهو ما أعاد الحوار إلى نقطة الصفر مرة أخرى. الأمر الذى يستدعى سيلا من الأسئلة حول مآل المبادرة المصرية، وما يمكن ان تسفر عنه الجهود الأوروبية والأمريكية، وحدود المرونة المتاحة أمام الوفد الفلسطينى الذى يصر على أن يكون فك الحصار بأية صورة هو الحد الأدنى للمقابل الذى يتوقعه الفلسطينيون بعد كل الذى جرى، ــ وحدها الأيام المقبلة التى ستجيب على تلك الأسئلة.



Comments are closed.