في مصر .. ضفائر تحارب السرطان

فتيات مصريات يقصصن شعورهن للتبرع بها لمصابات السرطان اللاتي تساقط شعرهن

المشرف
المشرف

هن مجموعة من الفتيات المصريات اللواتي اتخذن قرارهن، بمساعدة غيرهن من النساء المُصابات بالمرض الخبيث “السرطان’، على طريقتهن، وهو أن يتبرعنّ بضفائرهن، لهن، كبديل عن خصلاتهن التي تساقطت الواحدة تلو الأخرى بينما يكافحن المرض لسنوات، فيرغبن في العلاج أكثر من ذي قبل.

تجمع شعرها، للخلف، ثم تمد يدها الصغيرة لتعقده ضفيرة محكمة، ليعلو وجهها ابتسامة رضا، إذ أن الوقت قد حان، بعد إطالة شعرها على مدار سنوات، أن تقوم بقصه، والتبرع به لأخرى، تحتاجه أكثر منها، تلك الحالة التي لا تنبري أن تنتهي منها فتاة، حتى تلحق بها أخرى، لتعطي بذلك دافع أكبر للواتي يسعين لمساعدة مرضى السرطان ولكنهن لا يعرفن الطريق.

الطريق لم يكن يسيراً على إحداهن، وهي ياسمين عُمر، الفتاة التي لم يتجاوز عمرها العشرين، والتي ظلت برفقة والدتها لمدة 6 سنوات وهي تعاني من مرض السرطان، والتي تقول ، للأناضول: تبرعيبشعري دافعه الأول أمي، بعدما أصيبت بسرطان الثدي وشفيت منه، ثم داهمها المرض مجدداً في الرحم، ومررنا برحلة علاج طويلة، كنا نشاهد شعر أمي وهو يتساقط، فتتراجع حالتها النفسية’.

وتضيف “تمنيت لو كان بيدي أن أفعل شيئاً يعوضها، لكني لم أكن أعرف الطريقة، كل ما كنت أستطيعه ذلك الحين أن أثبت شعري بيدي أعلى رأسها، غير أن هذا كله تغير، بعد علاجها’.

ياسمين، الطالبة في عامها الجامعي الثاني، تكمل الصدفة، وفي نبرة صوتها شيء من الحماس الطفولي: عرفت الطريق بعد علاج أمي، وكأن الفكرة لم تكن مؤقتة بداخلي، لكنها ظلت تكبر حتى قمت بإطالته أكثر وأكثر، ثم قصيته، وفي منتصف يناير/كانون الثاني الماضي ذهبت إلى إحدى الجمعيات المعنية بتقديم الدعم المعنوي لمرضى السرطان، قلت لهم أنا ياسمين وهذه ضفيرتي وأريد التبرع بها.

تقول ياسمين، إنها لا تعرف الفتاة التي تبرعت لها بالشعر، نظراً لرغبتها في عدم الإفصاح عن هويتها، فضلاً عن أن الجمعية التي راعت هذا الأمر تحتفظ بسرية المرضى، لكنها تتابع: أعتقد أنها قاربت على الشفاء، 90% من العلاج تتم عندما يمنح المريض دافعا معنويا، وهو ما فعلته عندما تبرعت بضفيرتي، وهو ما سيفعله غيري، من أولئك الذين راحوا يسألونني عما فعلته، والدافع وراءه.

مريم حمدي، واحدة من أولئك، اللواتي سرن على خطى ياسمين، فهي الفتاة التي سارعت لتسأل ياسمين عن سبب قص شعرها، لتخبرها الأخيرة بأنها تبرعت بضفيرتها لصالح مرضى السرطان، فتقول مريم: كنت فخورة بياسمين، أردت أن أفعل مثلها، ولما لا وأنا ضفيرتي تصل إلى منتصف ظهري، قررت أن أفعل ما فعلته، وبالفعل قصصته، وسأذهب الأسبوع المقبل للتبرع به.

تختلف مريم عن صديقتها في الدافع وراء قص ضفيرتها فتقول: ليس لأسرتي سجل مرضي مع هذا المرض لكني شعرت أنني عندما أفعل هذا سأكون سبب في سعادة إنسانة أخرى لا تعرفني، وهذا وحده كان كفيلاً لكي أتخذ قراري، الذي سأسعى لتكراره بعدما أطيل شعري مجددا، وهي نفسها الرغبة التي أبدتها ياسمين التي قالت عن ضفيرتها التي بلغت 25 سم، سأقوم بإطالة شعرها مرة ثانية وسأقصه وأتبرع بها، وسأطيله بعدها للمرة الثالثة وسأقصه ولن أمل أبدا من تكرارها.

“عبلة فتحي’ إحدى مصففات الشعر، تقول: أقل طول يمكن قص ضفيرة به، هو 8 سم، وحينها لا يشترط أن نقوم بقص شعر الفتاة كلية، لكن نكتفي بقص الضفيرة حتى يستفيد بها الشخص الآخر (تقصد المتبرع)، ووقتها يمكن صبغ هذه الضفيرة او حتى عمل قصات مختلفة  حسبما يرغب صاحبها أو حتى الشخص الذي سينتفع بها.

مراسلة الأناضول تحدثت مع ثلاثة من المصابات بمرض السرطان، لكنهن رفضن بشدة أن يتم تصويرهن أو الإفصاح عن هويتهن، إحداهن قالت عندما سقط شعري لم يكن لدى أحد من أسرتي الجرأة الكافية ليفكر في التبرع بشعره لي، حتى زوجي بدا مهتماً أكثر بالعلاج الكيميائي، لم يكن أحدهم يدرك أني فقدت رغبتي في ذلك العلاج كلما نظرت للمرآة.

وتقول أخرى مصابة بسرطان ثدي وفي مراحل العلاج حيث تتلقى الجرعة الأخيرة، “ليتني تعرفت على إحداهن حينما كنت في أمس الحاجة إلى الأمل، لكن الله أراد أن يتم شفائي على خير، ربما لأن إرادتي أكبر من سقوط شعري، لكن حتماً كان الأمر سيفرق معي حينها’.

أما الفتاة الثالثة، فكانت ممن حصلن على ضفيرة متبرعة، وقالت للأناضول: “لم أستطع شراء الباروكة (شعر مستعار) لأن ثمنها يصل إلى 5 آلاف جنيه (655 دولارا) فيما هو أكثر، بالإضافة إلى أنها تبدو غير طبيعية’.

وتضيف “خلال الفترة الماضية كنت أشعر بأنني أمر بالمرحلة الأسوأ في المرض هي سقوط شعري، لاسيما أمام خطيبي، كنت قد بدأت فعلياً اعتزال كل شيء بما في ذلك الحياة، أخذ الجرعة ثم أعود لمنزلي، وهو الأمر الذي كان يؤثر سلبياً رغم تلقي العلاج، وأخبرني الطبيب حينها أن مناعتي ضعيفة حتى وصلت لأقل المعدلات’.

وتمضي الفتاة قائلة عبر الهاتف “يقول الطبيب أن جسدي بدأ يستجيب للعلاج، وأن مناعتي أصبحت أفضل، ربما هذا يرجع إلى شعوري بأن كل شيء ممكن، حتى إطالة شعري ممكنة’.

محمد شعلان، أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومي للأورام (حكومي) ورئيس المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي، يوضح ارتباط سقوط الشعر بالمناعة بقوله: “مع بدء تلقي العلاج الكيماوي، يبدأ الشعر في التساقط في غالبية الحالات، ويلازم ذلك نفسية سيئة للمريض، وهو ما يؤثر على رغبته في العلاج، حتى لو كانت المريضة محجبة، فهي في النهاية لها أسرتها، وبالتالي تشعر بعدم ارتياح لأنها فقدت جانب كبير من جمالها’.

ويضيف شعلان، للأناضول هناك حالياً حلول كثيرة لتقليل سقوط الشعر لمريض السرطان من بينها، أجهزة توضع على فروة الرأس وتقلل من سقوط الشعر، وهناك شعر مستعار يتم عملها من نفس شعر المريضة، لكن في النهاية هذا الأمر يكون مكلفاً للغاية ليصل إلى 10 آلاف جنيه (نحو  1300 دولار).

إسراء الشربيني المدير التنفيذي للجمعية المصرية لدعم مرضى السرطان (جمعية أهلية تأسست في نهاية 2010)، تقول للأناضول: كنا نفكر في توفير ضفائر الشعر للمصابات بالمرض، لكن كان من الصعب تنفيذ الفكرة، مع عدم وجود وعي بأهمية ما يمثله هذا الأمر للمريضات، فهناك من يربط بين إشكالية توفير الدواء وبين التبرع، على اعتبار أن الامر الأخير ليس بنفس أهمية الأول.

تتابع الشربيني وسط حالة من التفاؤل: عندما جاءت ياسمين للجمعية ومعها ضفيرتها كانت بمثابة نقطة الانطلاقة، طلبت منها بشكل شخصي أن تكتب قصتها وبالفعل انتشرت القصة في أوساط كثير من الفتيات، فهناك ما يقرب من 250 فتاة قدمن طلبات للتبرع بشعورهن.

“أتوقع أن يصلني خلال هذا الأسبوع 100 ضفيرة’، تقولها إسراء بفخر، وتضيف “كل يومين تتوفر ضفيرة من إحدى المتبرعات، نأخذها ونذهب لخبير يتعامل مع الشعر، ليقوم بإعداده للمريضة، وعادة هي من تتحمل ثمن الغزل الذي يكون أقل مما لو اشترت باروكة (شعر مستعار “.

توضح إسراء الغرض من الجمعية التي تقدم الدعم لـ 3200 مريض قائلة “نعكف على تقديم الدعم المعنوي لمريض السرطان، حتى أننا لا نقوم بتصويره، أثناء تلقي هذا الدعم، ونوفر له كامل الخصوصية، رغم أننا نعرف أن هذا  قد ينشر البهجة في محيط غيره من المرضى، لاسيما في دروس التجميل، ورقص الزومبا (إحدى الرقصات) وغيرها من الأنشطة التي من شأنها أن تكون دافع للعلاج’.

تذكر إسراء أن إحدى المريضات سألتها: “هل أنا مضطرة للظهور في وسائل الإعلام لأني حصلت على ضفيرة إحداهن؟’، وتقول ’ وقتها لم أستطع الرد لأننا نعرف جيداً أن الألم النفسي أكبر من الجسدي، وهدفنا هو تخفيفه بوسائل عدة من بينها التبرع بالشعر’.

ورغم عدم وجود سجل وطني لتسجيل عدد الحالات المصابة بالسرطان غير أنه بحسب الإحصائيات الأخيرة لوزارة الصحة المصرية فإن معدل الإصابة بمرض السرطان يبلغ حوالي 100– 113 حالة لكل 100 ألف شخص.

Comments are closed.