قائد البعثة الأممية بإفريقيا الوسطى: سنبذل ما بوسعنا لحماية ضحايا الاعتداء الجنسي وإنصافهم (مقابلة)

المشرف
المشرف

بارفيه أونانغا أنيانغا قال  إن “إعادة هيكلة القطاع الأمني’ وتشكيل جيش جديد “متوازن عرقيا’ من أولويات البعثة أيضا، لإحلال سلام دائم في افريقيا الوسطى

قال بارفيه أونانغا أنيانغا، القائد الجديد للبعثة الأممية بافريقيا الوسطى “مينوسكا’، إنّ وحداته “ستنصف’ ضحايا الاعتداءات الجنسية الأخيرة، وأنها لن تتعامل مع المسئولين عن “مأساة إفريقيا الوسطى’، على حدّ تعبيره، بمن في ذلك الرئيسين السابقين للبلاد (فرانسوا بوزيزيه/ الرئيس الرابع، وميشيل دجوتوديا/ الرئيس الخامس).

وفي مقابلة حصرية مع الأناضول، أوضح أنيانغا أنّ البعثة الاممية ستعمل أيضا، ضمن أولوياتها، على مواجهة التحدّي الكبير الذي تطرحه “إعادة هيكلة القطاع الأمني’ بما في ذلك تشكيل جيش جديد للبلاد “أكثر تمثيلا’ لكل الطوائف و’متوازن عرقيا’ بما يضمن إحلال السلام الدائم في البلاد.

وبلهجة يغلب عليها التفاؤل، أشار أنيانغا إلى أنّ “المخطّط الشرير الرامي إلى وقف أنشطة المؤسسات الانتقالية، لاقى فشلا ذريعا’، وأن افريقيا الوسطى تمضي قدما على طريق تحقيق الاستقرار، وليس أدل على ذلك من توقّع إجراء الانتخابات نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل.

وفيما يلي تفاصيل المقابلة مع القائد الجديد للبعثة الأممية بإفريقيا الوسطى، والذي تقلّد منصبه في 14 آب/ أغسطس الماضي، خلفا للسنغالي باباكار غايي، المستقيل من مهامه في الـ 12 من الشهر نفسه، على خلفية الاتهامات بالإنتهاكات الجنسية  بحق اطفال والتي طالت جنود البعثة في البلاد

الأناضول: مسلمو افريقيا الوسطى ونوّابها وحتى الرئيسة الانتقالية (كاترين سامبا بانزا) يتّهمون البعثة الأممية بالتقاعس في مواجهة العنف الدائر في البلاد. كيف تفسّرون هذا الاستياء؟
أنيانغا: أتفهمّ حالة الإحباط التي تعتري البعض، لكن ، وقبل كلّ شيء، أودّ أن أعبّر عن تضامني وتعاطفي، وعن تضامن الأمم المتحدة والمونيسكا على وجه الخصوص، لأننا، وللأسف، مازلنا شهود عيان على وضع غير مقبول بالمرّة، فلقد كان هناك الكثير من العنف والقتلى والمشرّدين الذين تركوا ممتلكاتهم في هذا البلد، غير أن كلّ هذا ينبغي أن يتوقّف. ورغم الجهود الجبّارة التي تبذلها البعثة الأممية والقوات الدولية المنتشرة على الأرض، فإن أولئك الذين قرروا زرع الفوضى في البلاد، يستمرّون في التسبّب في معاناة الكثيرين، رغم فشلهم. وبرأيي، فإنه يتعيّن على هؤلاء المتضررين الانضمام إلينا، لأنه لا يمكننا وضع حدّ للعنف دون مساعدة سكان إفريقيا الوسطى، فنحن هنا لمساعدتهم وليس لتعويضهم.

الأناضول: تستمرّ الأوضاع الأمنية في البلاد في التدهور منذ موفى سبتمبر/ أيلول الماضي، دون أن تتمكّن أي جهة من وضع حدّ لذلك، حتى أن البعض يتساءل عما تفعله البعثة الأممية في البلاد، وعن ماهية دورها بالتحديد إن لم يكن وضع حدّ للمجازر المتواترة؟
أنيانغا: أحداث الـ 26 من سبتمبر/ أيلول الماضي (الاشتباكات الطائفية وحوادث الانتقام بين المسلمين والمسيحيين على خلفية مقتل شاب مسلم يوم عيد الأضحى الماضي) أمر مؤسف حقا، فلقد اندلعت في وقت بدأت فيه البلاد تتحسّس طريقها نحو هدوء حقيقي، إذ كان من الواضح إذن أن البلاد حققت تقدما ملموسا، والفترة الانتقالية تقترب من نهايتها، وفي غضون بضعة أشهر، ستجري انتخابات أعتقد أنها ذات أهمّية محورية بما أنها ستتمخض عن سلطات جديدة منبثقة عن الشرعية الشعبية، غير أن هذه الانتخابات لن تشهد مشاركة بعض الشخصيات السياسية الوطنية البارزة سواء كانت مقيمة في البلاد أو خارجها، وذلك وفقا لخارطة الطريق المعتمدة.

ومما تقدّم، ندرك جيّدا أن جميع جهودنا المبذولة مهدّدة، غير أنه لا يمكن بأي حال الطعن فيها، ولذلك، فنحن، وبقدر ما نستنكر ما حدث في 26 سبتمبر/ أيلول الماضي، فإنه ينبغي أيضا النظر إلى جهودنا، وإذا ما أردنا إجراء مقارنة بين الوضع أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، وبين ما يحدث اليوم، فبالإمكان ملاحظة الفرق، وذلك بغض النظر عن مختلف الانطباعات، فلقد تراجعت حدة العنف مع أنه لا يزال منتشرا، كما أن المخطط الشرير الرامي إلى وضع حدّ للمؤسسات الانتقالية فشل رغم القدرات التدميرية للأطراف المعنية.

ما ينبغي فعله اليوم هو تعزيز تواجدنا في (العاصمة) بانغي، فوحداتنا المنتشرة هناك والتي كانت تحت قيادة الشرطة أصبحت تحت إشراف الجيش، من أجل أن تتفرّغ عناصر الشرطة للدوريات، وفي المقابل، يتسنى للقوات المسلحة المنتشرة في النقاط الثابتة التصدّي للمجموعات المثيرة للفوضى.

الأناضول: البعض ممن أبدوا عدم رضاهم عن عمل البعثة الأممية، يطالبون بإعادة تسليح القوات المسلحة بافريقيا الوسطى، بل إنكم تلقيتم، مؤخرا، مذكّرة بهذا الخصوص من قبل نواب المجلس التأسيسي (البرلمان). فهل تجدون في إعادة تأهيل الجيش، أي رفع الحظر المفروض على السلاح، فائدة للبلاد في الوقت الراهن؟
أنيانغا: باختصار شديد، لا، لأن الأمم المتحدة لم تحظر أبدا على افريقيا الوسطى تسليح قواتها، والعقوبات المتعلقة بدور قوات الدفاع الداخلية للجيش لم تفرضها الأمم المتحدة، وما يحدث هو أن الاستنتاج خلص إليه سكان افريقيا الوسطى من تلقاء أنفسهم، وللأسف، فإن القوات المسلحة في البلاد، لم تكن، خلال التاريخ الحديث، جيشا جمهوريا، ولذلك، فإنه، وقبل تكليف عناصرها بالمهام الميدانية، كان لا بد من هيكلتها.

فدول المنطقة تلقت هذه الرسالة، والاتحاد الافريقي تحدث عنها مرارا، كما وقع تدوينها ضمن وثيقة مجموعة الاتصال الدولية حول افريقيا الوسطى، ونصّت عليها الفقرة العاشرة من قرار الأمم المتحدة عدد 2217، والتي أشارت بوضوح إلى أن هيكلة القطاع الأمني، وخصوصا جيش افريقيا الوسطى، ينبغي أن يأخذ في الاعتبار ضرورة أن يكون أكثر تمثيلا للجميع ومتوازن عرقيا، والأهم هو أن يكون محترفا مع تركيز خاص على احترام حقوق الانسان.

فالصعوبة تكمن إذن في هيكلة القطاع الأمني في البلاد، وهذه الهيكلة جارية بالفعل، وستكون موضوع اجتماع من المنتظر أن ينعقد من 17 إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تحت إشراف الرئاسة والحكومة الانتقاليين، ممثلين في رئيس الوزراء بافريقيا الوسطى والبعثة الأممية إلى جانب الشركاء الدوليين للبلاد.

الأناضول: لكن البعثة الأممية المفترض أن تلعب دورا محوريا في استقرار البلاد واجهت، مؤخرا، فضيحة مدوية، شملت الاعتداءات الجنسية التي طالت أطفالا قصرا في افريقيا الوسطى. إلى أين وصلت التحقيقات في هذه القضية؟
أنيانغا: اقتران راية الأمم المتحدة مع هذا النوع من الانتهاكات أمر غير مقبول بالمرة. وأنا قلتها بصوت عال: سنستنكر ونعاقب بحزم المسؤول عن أي اعتداء من هذا النوع، وسنبذل ما بوسعنا لحماية الضحايا وإنصافهم وتحقيق العدالة، وذلك بالعمل مع بقية المؤسسات الأممية، للتأكّد من حصول أولئك الضحايا على الرعاية الطبية اللازمة وكل الإهتمام الذي يستحقونه، وكلّ من يستنكر انتهاكات من هذا النوع سيحصل على حماية المنظمة.

الأناضول: اثنين من الرؤساء السابقين (دجوتوديا وبوزيزيه) الذين اقترنت أسماؤهما ببداية الحرب الأهلية، مقيمان في المنفى اليوم، في ظل مطالبة أبرز الميليشيات في إفريقيا الوسطى (تحالف “سيليكا’ المسلم وميليشيات “أنتي بالاكا’ المسيحية) بعودتهما. ألا تعتقدون أنه، ورغم استهدافهما بالعقوبات، أن جمعهما حول طاولة واحدة تحت رعايتكم وحملهم على توقيع بيان مشترك من شأنه أن يكون خطوة نحو المصالحة؟
أنيانغا: الشخصيات التي تتحدث عنها لم أقابلها قط، لكن، في اعتقادي أن جهودا كبيرة بذلت بهذا الاتجاه في السابق، والأكيد، كما تقول، أنهما مسؤولان بصفة غير مباشرة عن المآسي التي نعيشها اليوم. وبناء على ذلك، وفي ظل هذه الظروف، أجد أنه من المستحيل بالنسبة لمنظمة مثل الأمم المتحدة، والهادفة إلى إحلال السلام والاستقرار، أن تجلس مع هؤلاء الأشخاص.

الأناضول: هل تتوقعون تعزيزات للقبعات الزرق لتأمين الانتخابات المقبلة في افريقيا الوسطى؟
أنيانغا: مسألة تأمين الانتخابات تعتبر أولوية بالنسبة لبعثتنا، وسنعمل على ذلك بمعية السلطات الانتقالية. أما فيما يتعلق بنا، فقد أجرينا التقييمات اللازمة وسنقدّر احتياجاتنا الإضافية اللازمة لتأمين الاقتراع. وفي هذا السياق، أدعو سكان افريقيا الوسطى إلى التصويت لتحقيق الأمل الكبير، كما أنه ينبغي على المجموعات المسلحة التي وقعت اتفاقيات وقف الأعمال العدائية أن تنخرط ضمن عملية نزع السلاح للإنضمام إلى المشهد التسياسي.

الأناضول: ما هو مستقبل البعثة إثر إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة الدائمة؟
أنيانغا: أولا، أشاطركم هذا التفاؤل بخصوص الانتخابات التي ستتمّخمض عن طبقة سياسية جديدة منبثقة عن صناديق الاقتراع وعن الإرادة الشعبية، والأكيد أنّ الأمم المتحدة ستكون دائما إلى جانب شعب افريقيا الوسطى إلى حين ان يتوصّل بنفسه إلى عدم حاجته إلينا.

Comments are closed.