قبل فوات الأوان

المشرف
المشرف

كانت هائمةً على وجهِهَا، تجرُّ قدميها جرًا، قبضة باردة تعتصرها، إلى أين تذهب؟.. هذا الذئب دمَّرَها، لم يكتفِ بما فعله، “أنت ملكي، وقتما أردت، ولمن أشاء’.. قالها بصوت قاسٍ شيطانيّ لم تعهده من قبل بعدما فجعها بفعلته.. لقد صور ما كان بينهما.. هي التي وَثِقَت به وتعلَّقَت به، كم كانت ساذجة، كيف تستأمن على جسدها من خان الأمانة منذ البداية، كادت قدماها تتهاويا مع تلك الغصة في حلقها بتلك النظرة الماجنة لأحد الفتية الأشقياء في الشارع الذي تقطن فيه، ساعتها علمت أنها انتهت.. وأن أغلى ما عندها وأخص خصوصياتها صار مرتعًا للأعين الهالكة باللذة الحرام، وصلوا إليه بطريقةٍ ما، في أي لحظة قد يعلم أهلها بالأمر، يالمرارتهم ساعتها، يالحسرتهم على جوهرتهم التي بذلوا ما عندهم من أجلها، ماذا فعلت بهم، كيف سيرفعون رؤوسهم..

تذكرت بمرارة كيف بدأ الأمر .. كيف كانا زميلين، فقط مجرد زميلين، وكانت هذه أولى الخطوات، وبداية النهاية.. تذكرت هؤلاء الفتيات اللاتي كن يعتزلن الزملاء زاعماتٍ أن هناك ميل فطريّ لا تُؤمَن عواقبه، كم كانت تمتهنهنّ، “متخلفات يحملن أفكار العصور الغابرة“.. هكذا كانت تراهنّ، لم تكن تلمح إحداهنّ إلا ولاحقتهنّ بنظرة مزدرية ساخرة، فالأمر عندها كان يتوقف على التربية وطالما أنها محترمة و…  كم تتمنى الآن لو كانت معهنّ، لو كنّ أتَيْنَ بها غصبًا إلى صحبتهنّ، لو أفهمنها ما كنّ يفهمنه، الآن فهمته، أو الآن لم تعد تنكره.. ولكن بعد فوات الأوان.. ثم كانت النهاية المريعة أن… لهذا لا أحب أن أحاضر الفتيات، لم أستطع أن أكمل القصة في أية ندوة إلى الآن، أنا نفسي لا أعرف نهايتها، قاعة الفتيات من فضلكنّ؛ لا وقت للنحيب، أعدُ أني لن أكملها، كما أن منظمي الندوة هذه يثيرون أعصابي بالوقت الضيق الذي يُتيحونه، ربما أضع لها نهاية مأساوية في ندوةٍ أخرى، أو ربما لا ، فالواقع صار يمتلئ بالقصص المشابهة، الكثير منها، أو ربما الأكثر قسوة، والكارثة أنّا لا نعي، كأننا قطيعٌ يُساق إلى الهاوية وهو لا يدري.. أو يدري ولكنه يتجاهل ولا يعبأ، أو يستسلم ويدفن رأسه في الرمال، وربما من ينكر وهو مستيقن.. المهم أنها الهاوية، ولكن كيف صرنا نهوي بهذه السرعة في عمق الوحل؟ كيف بدأ الأمر حتى صرنا مجتمعات منحطة في أخلاقها إلى هذا النحو، أو ربما أسوأ؟

كانت الثورة الفرنسية وثورة الآلة البخارية نقلة هائلة، وقد استغلها اليهود ببراعة، أو قُلْ بحقارة، وبدأوا أولًا في تدمير ما بقي من القيَم في أوروبا، وبالذات تلك المتعلقة بالمرأة .. لم؟ وكيف؟ وما علاقة مجتمعاتنا باليهود وأوروبا وقيمها المنهارة؟.. انتهى الوقت؟! ياللأسف!  إنهم منظموا هذه الندوة، ما كان اسمها؟.. نعم، إضاءات، ولكن يبدو أنهم كانوا أكثر حكمةً مني؛ فأنا أرى البسمة قد علت وجوهكم.. ربما أكملنا إن شاء الله في وقتٍ لاحق أو بحثتم أنتم.. المهم أن تُدركوا وتتداركوا.. قبل فوات الأوان.

Comments are closed.