قراءة في الصحف الدولية ليوم 28/04/2015

المشرف
المشرف

داعش ليس بتنظيم ارهابي !! و لماذا فشلت دول التحالف في القضاء عليه؟

بهذا السؤال افتتحت مجلة فورين أفيرس الأمريكية بمقالا للكاتبة أودري كورث كرونين تقول فيه:  من المعلوم أن بنية الدولة القومية العربية أضحت تواجه تهديدات شتى، يأتي على رأسها التهديد الإرهابي المتمثل في تنظيم “الدولة الإسلامية’، والمعروف إعلاميا بتنظيم “داعش’

وفي هذا الصدد، تأتي مقالة أودري كورث كرونين المعنونة “داعش ليست منظمة إرهابية.. لماذا لن توقف مكافحة الإرهاب التهديد الجهادي الأخير؟’، المنشورة في مجلة “الشئون الخارجية Foreign Affairs’ في عددها عن شهري مارس/أبريل الجاري، التي تري فيها أن تنظيم “الدولة الإسلامية’ ليس تنظيما إرهابيا مثل تنظيم “القاعدة’، ولكنه أصبح “شبة دولة’ يقودها جيش اعتيادي، يتألف من 30 ألف مقاتل، وتستولي على أراضٍ في العراق وسوريا، ولها قدرات عسكرية واسعة، وتسيطر على خطوط اتصال وبنية تحتية للقيادة، وتمول نفسها وتشتبك في عمليات عسكرية معقدة

وتحمل المقالة تقييما لجهود التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية’ لا سيما مع إخفاقه في وقف التنظيم عن التقدم وتنامي نفوذه في المنطقة؛ فلا يزال التنظيم يتمدد ويسيطر على كثير من الأراضي العربية؛ ما ألقى العديد من علامات الاستفهام حول جدوى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية

الاختلاف بين تنظيمي القاعدة وداعش:

ترى كرونين أن تنظيم داعش يختلف عن تنظيم القاعدة. وتُرجع ذلك للنشأة التاريخية لكلا التنظيمين؛ فمن المعلوم أن تنظيم القاعدة كان وليد الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، وقد شكَّل شبكة دولية تركز على القيام بهجمات كبرى ضد أهداف في الغرب أو بين حلفاء الغرب، بهدف حث المسلمين على الانضمام إلى المواجهة الدولية للقوى العلمانية القريبة والبعيدة. أما داعش فقد كان وليد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وكان يُطلق عليه تنظيم “القاعدة في العراق’ ويقوده أبو مصعب الزرقاوي. وفي عام 2011، وفيما يتوسع التمرد ضد نظام “بشار الأسد’ في سوريا، استغلت المجموعة الفوضى واستولت على ممتلكات في شمال شرق سوريا، مؤسسة قاعدة لعملياتها، وحينها غيرت اسمها إلى “داعش’، كما استغلت في العراق ضعف الدولة المركزية، والصراع الطائفي في البلاد الذي ازداد حدةً بعد انسحاب القوات الأمريكية، نتيجة لسياسات نور المالكي الطائفية، التي أدت إلى انضمام قيادات قبلية سنية، ومتمردين سابقين ضد الولايات المتحدة، بل وضباط عراقيين سابقين علمانيين، إلى التنظيم لاستعادة السلطة والأمن الذي تمتعوا به خلال حقبة صدام حسين

وتشير المقالة إلى التوسع الكبير لتنظيم داعش في الأراضي العراقية؛ حيث تقدم نحو بغداد، بعد استيلائه على الموصل وتكريت وعدة بلدات عراقية أخرى. وقد غير التنظيم اسمه إلى الدولة الإسلامية، وأعلن أن المناطق التي تقع تحت سيطرته تشكل نواة دولة الخلافة الجديدة. في الوقت نفسه، وحسبما قدَّرت الاستخبارات الأمريكية، توافد 15 ألف مقاتل أجنبي من 80 دولة على المنطقة للانضمام إلى داعش، أي بمعدل 1000 شخص شهريًّا. ومع أن أغلب هؤلاء المجندين قد جاءوا من بلاد ذات أغلبية مسلمة، مثل تونس والسعودية، فإن بعضهم قد جاء من أستراليا والصين وروسيا وأوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية من دنفر ومنيابوليس وضواحي شيكاغو.

ومن ثم يتضح هنا الاختلاف بين القاعدة وداعش: القاعدة تسعى إلى محارية الحكم العلماني في العالم. أما داعش فيسعى إلى تكوين دولة الخلافة، وممارسة دور السلطة السياسية والدينية والعسكرية الوحيدة فوق جميع مسلمي العالم

ليسوا إرهابيين تقليديين:

وهنا تري الكاتبة، في إطار اختلاف تنظيم القاعدة عن داعش، عدم جدوى الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لمواجهة داعش. فبعد أحداث 11 سبتمبر، أسست الولايات المتحدة الأمريكية بنية تحتية استخباراتية ونفذت عمليات عسكرية موجهة ضد تنظيم القاعدة والمرتبطين به وصلت تكلفتها إلى تريليون دولار. ولكن ذلك – من وجهة نظر الكاتبة – لا يتناسب مع مواجهة التحدي الداعشي الجديد في منطقة الشرق الأوسط؛ لأن داعش أصبح شبه دولة ذات هيكل إداري معقد، ويندمج مع المدنيين؛ ما يصعب معه تبني الاستراتيجية التي كانت تعمل بها واشنطن مع القاعدة؛ فالهيكل الإداري لداعش يأتي على قمته أبو بكر البغدادي، ونائبان كلاهما خدم في وقت سابق برتبة جنرال في الجيش العراقي وقت صدام حسين؛ هما: أبو علي الأنباري الذي يسيطر على عمليات داعش في سوريا، وأبو مسلم التركماني الذي يسيطر على عمليات داعش في العراق. ويشرف على البيروقراطية المدنية داخل داعش 12 إداريًّا يحكمون المناطق في العراق وسوريا ويشرفون على مجالس تتولى أمورًا مثل الأموال والإعلام والشئون الدينية

كما أنه بالنسبة إلى إشكالية التمويل، هنا أيضًا يتفوق داعش على القاعدة؛ فالقاعدة اعتمدت على غسل الأموال وتلقي أموال تحت غطاء الأعمال الخيرية؛ لذلك استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض حصار على تمويل القاعدة من خلال تأسيس شبكة دولية لمكافحة تمويل الإرهابيين تدعمها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومئات الحكومات المتعاونة. أما داعش فلا يعتمد على التمويل الخارجي فقط بل وعلى السيطرة على حقول النفط والأراضي في كل من سوريا والعراق؛ حيث يسيطر التنظيم على 60% من إمكانيات إنتاج النفط في سوريا، كما يستولي على سبعة مواقع من إنتاج النفط في العراق، ومن ثم يعتمد التنظيم على بيع النفط في السوق السوداء وتهريبه عبر تركيا والأردن، وتقدر موارده من النفط بين مليون وثلاثة ملايين دولار يوميًّا. كما أن هناك مصادر تمويل أخرى لدى التنظيم، مثل سيطرته على البنوك ونهب الآثار وبيعها واحتجاز الرهائن وطلب الفدية، فضلاً عن السيطرة على طرق المواصلات الكبرى غرب العراق وفرض رسوم على حركة المرور، وفرض الضرائب على شركات المحمول وتوصيل الكهرباء والمياه

الجنس وسيلة للتجنيد:

في هذا الإطار، ترى كرونين أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تسعى إلى إزالة الشرعية عن تنظيم القاعدة بالتعاون مع حلفائها؛ وذلك بنشر أخطائها في الاستهداف وإفراطها في العنف، وقد نجحت في ذلك بالعمليات الإرهابية التي قامت بها القاعدة في المغرب والسعودية وتركيا والأردن وإسبانيا والمملكة المتحدة، وراح ضحيتها العديد من المسلمين؛ الأمر الذي قلل تأييد القاعدة عبر العالم الإسلامي. في المقابل، نجد أن داعش يعتمد على الوحشية المفرطة من خلال أفلام قطع الرءوس، وهذا يؤدي إلى إحاطة التنظيم بهالة من القوة

ومن المفارقات الأخرى في هذا الصدد، انضمام العديد من الشباب المسلم إلى التنظيم تحت دعوى مزيفة، وهي التضحية من أجل الأمة الإسلامية. ولكن لهذا الأمر أسبابه الأخرى التي تتمثل في أن داعش يوفر شريكات من النساء لمجنديه من أجل ممارسة الجنس معهم. ومع أن بعض النساء قد اخترن القيام بهذا الدور، فإن أغلبيتهن أُكرِهن عليه. ومن هنا، يمكن القول إن داعش توفر إشباعًا قصير المدى وبدائيًّا، على عكس القاعدة التي لا مكان فيها للخمور والنساء؛ حيث إن الجنس يأتي بعد الزواج فقط

عدم جدوى سياسة فَرِّقْ تَسُدْ:

تُضيف كرونين أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت في عام 2006 على سياسة فَرِّقْ تَسُدْ من أجل القضاء على التمرد السني في الأنبار، الذي أرسل على إثره جورج بوش الإبن 20 ألف جندي أمريكي إضافي إلى العراق، لكن هذه الاستراتيجية أصبحت في الوقت الحالي غير مجدية لمواجهة تنظيم داعش، خاصةً أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تحتل العراق، فضلاً عن تداخل داعش مع القبائل السنية الموجودة هناك. وتشير الكاتبة إلى أن دولاً مثل الفلبين وإندونيسيا قد اعتمدت على استراتيجية مغايرة لمكافحة تنظيم القاعدة، من خلال مزج عمليات مكافحة الإرهاب مع بناء علاقات في المجتمعات المحلية، وتأسيس برامج مجابهة الراديكالية، وتوفير تدريب ديني في السجون باستخدام إرهابيين سابقين أعيد تأهيلهم كمتحدثين باسم الحكومة، والمفاوضة أحيانًا حول المظالم المحلية. وقد دعا البعض إلى ضرورة استخدام الاستراتيجية نفسها

ولكن الوقت قد تأخر، خصوصًا أن داعش تقوده قيادات عسكرية عراقية سابقة تلقت تدريبًا أمريكيًّا، ومن ثم يعرفون أساليب واشنطن، كما استولى التنظيم على العديد من آلات الجيش العراقي من دبابات أمريكية ومدرعات ومركبات مقاومة الألغام، فيبقى الاحتمال القائم وهو شن حرب برية. وفي هذا الإطار، ترى كرونين أن السعي إلى حملة عسكرية أمريكية كاملة سيرهق الموارد الأمريكية، خاصةً في ظل هذا الوضع المعقد

الاستراتيجية المثلى:

ترى  الكاتبة أن الاستراتيجية المثلى لمواجهة داعش في الوقت الحالي قد أضحت متمثلة في الاحتواء الهجومي؛ أي المزج بين حملة عسكرية محدودة مع مجهودات دبلوماسية واقتصادية؛ لإضعاف داعش وتحقيق التناسب بين مصالح الدول الكثيرة التي يهددها تقدُّم داعش. فيجب على واشنطن ألا تتصرف على أنها تسطيع أن تحل مشكلات المنطقة بالقوة العسكرية؛ فبدلاً عن ذلك عليها إعادة إحياء دورها كقوة دبلوماسية كبرى. ومن هنا وجب على واشنطن أن تستمر في دعم الجيش العراقي ومساعدة القوة الإقليمية، مثل البشمركة الكردية، وتوفير مساعدات إنسانية للمدنيين الهاربين من مناطق داعش، وكذلك عليها أن تتوسع في المساعدات للدول المجاورة، مثل الأردن ولبنان اللتين تناضلان للتعامل مع التدفق الكبير للاجئين من سوريا؛ حيث إن وضع قوات أمريكية أكثر على الأرض يمكن أن يأتي بنتيجة عكسية بتوريط الولايات المتحدة في حرب لا يمكن أن تربحها، وقد تستمر لعقود

كما يجب على القوى الكبرى واللاعبين الإقليميين، أن يتفقوا على تشديد الحظر الدولي على تدفق الأسلحة إلى داعش، والقيام بدوريات حدودية مشتركة، وتوفير معونات أكثر للمهجرين واللاجئين، وتقوية بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الدول المجاورة للعراق وسوريا. ومع أن بعض هذه الآليات يتقاطع مع مكافحة الإرهاب، فإنه يجب أن يوظف في خدمة استراتيجية موحدة لمحاربة عدو أكثر شبهًا بالدولة؛ فداعش ليست قوة نووية، بل مجموعة تشكل تهديدًا للاستقرار الدولي، توازي ما تمثله كوريا الشمالية، ويجب ألا تعامل بقدر أقل من الجدية.

زهير سراي

Comments are closed.