“كعك الورقة” حلويات أندلسية هاجرت إلى تونس منذ 4 قرون

المشرف
المشرف

تشدّ “زهرة النسري’ كلَّ من يقترب من مدينة زغوان (60 كم جنوب العاصمة تونس)، مرّتَين؛ الأولى برائحتها العطرة التي تستطيبها النفس، والثانية بالمذاق الذي تعطيه لـ “كعك الورقة’، وهو نوع من الحلويات رافق مسلمي الأندلس إبّان تهجيرهم، وحطّ رحاله معهم، في تونس، قبل أربعة قرون.

يستخرج من “زهرة النّسري’ عطر، يُعدّ المكون الأساسي لأشهر حلويّات في هذه الجهة، “كعك الورقة الزّغواني’ الذي لا يمكن له اكتساب مذاقه الطيب لولا عطر النسري.

هذا “الكعك’ ذو أصول أندلسية، جلبه الموريسكيون (السّكان المسلمون للأندلس) معهم، عند تهجريهم منها إلى شمال إفريقيا، فحافظ أهالي مدينة زغوان التونسية على هذا النوع من الحلويات بطريقة الصنع القديمة ذاتها.

ويلاحظ المتجول في المدينة المذكورة كثرة الورشات التي تتخذها النّساء لتحضير الكعك، فلا يكاد زقاق يخلو من لافتات صغيرة تدلّ على محل صغير، تخصصه النساء لهذا الغرض.

تلتفّ مُعِدّات كعك الورقة حول طاولة، عليها أطباق مملوءة بقطع العجين على شكل نصف دائري، محشوّة بعجين اللوز الممزوج بعطر النّسري، ويأخذن القطعة بعد الأخرى ويقمن بما يسمونه “القفلة’ وهي آخر مراحل صناعة كعك الورقة قبل إدخاله الفرن، ليخرج بلون أبيض ناصع، وبرائحة زهرة النسري الفائحة، هكذا تمضي كلٌّ من حبيبة المانسي، وقريباتها، الأيام الأخيرة من رمضان أمام الطلبات الكثيرة التّي تتوافد عليهن، خاصّة مع اقتراب عيد الفطر وتزامنه مع عدد من المناسبات العائليّة.

تقول حبيبة للأناضول “إن كعك الورقة يعدّ سمة لمدينة زغوان دون غيرها من مدن تونس، ولاحتوائه على عطر النّسري ميزات عدة، نظرا لفوائده صحيّة والغذائية، فمَن يأكل هذا النّوع من الحلويّات لن يكتفيَ فقط بطيب مذاقه، بل سينتفعُ بمزاياه الصّحية خاصّة على الجهاز الهضمي، وبالنّسبة إلى أمراض القلب والشرايين، وهو ما يجعل الإقبال يزيد عليه’.

وتضيف حبيبة “رغم ما تعرضه محلات صناعة الحلويات من أصناف وأشكال متعددة، تتفنن في عرضها وتقديمها للزبائن بشكل يجعلها مغرية أكثر للعين، فإن ذلك لم يثن عددا كبيرا من العائلات التونسية عن الإقبال على كعك الورقة الزغواني، على بساطته، فهم يأتون من كل المحافظات لشرائه، دون أن يأبهوا ببعد المسافات’.

ومن الملفت أنّ الفتيات الصغيرات والشابات يبرعن أيضا في صناعة هذا النوع من الحلويات، خلافًا لاعتقاد سائد بأن إعداد “كعك الورقة’ هو فقط من مهمة النسوة المتقدمات بالسن نسبيا، تقول حبيبة “كل أم وكل جدّة تسعى إلى تلقين طريقة صناعة الكعك لبناتها، حتّى تتم المحافظة على هذا الإرث الثمين من النسيان، كما تبدي الفتيات بدورهن رغبة كبيرة في تعلم هذه الحرفة’.

وفي حديثه للأناضول عن تاريخ هذه الحلويات، يقول عبد الرحمن عبّاس، وهو دليل سياحي في زغوان إن “الهجرة الكبرى من الأندلس وقعت سنة 1609 في عهد الملك الإسباني “فيليب الثالث’ أي بعد أكثر من مئة عام على سقوط غرناطة (1492)، عندما أمر “فيليب الثالث’ بترحيل كل المسلمين الموجودين في إسبانيا إلى شمال إفريقيا دون أن يأخذوا أي غرض من أغراضهم’.

وكانت الرحلة حينها، تستغرق شهرا أو أكثر، وهو ما دفع الموريسكيين ليطلبوا من الملك أخذ بعض المؤونة للاستعانة بها طوال الرحلة، ثم توصّلوا حينها إلى حيلة يحافظون من خلالها على مصوغهم وذهبهم؛ حيث وضعوا قطع الذهب الكبيرة في أكلة تسمّى “البناضج’ (يسميها التونسيون حاليا “بريك الدّنوني’ وتتكون من عجين محشو باللحم المفروم)، بينما خبّأوا القطع الصّغيرة في “كعك الورقة’ وتحديدا مكان حشو هذه الحلويّات، حسب عباس.

ويلفت أنّ الموريسكيين “جلبوا معهم أيضا نبتة النسري، وغرسوها هنا (زغوان)، ومنها كانوا يستخرجون عطورا، ويستعملونها في أغرض صحية عديدة نظرا لتعدد فوائدها، وكانت مكونا أساسيا في صنع حلويات كعك الورقة’.

ويضيف عباس “بهذه الطريقة وصل كعك الورقة من الأندلس إلى تونس، وبالتّحديد إلى مدينة زغوان، حيث استقر الموريسكيون حينذاك، فضلا عن استقرارهم في مدن أخرى شمال وشمال غربي البلاد.

ويختم عباس حديثه بالإشارة إلى أنّ صناعة كعك الورقة يعتبر مورد رزق لأكثر من 150 عائلة “زغوانية’.

Comments are closed.