كيف تدير “النهضة” التونسية مأزق السلفية الجهادية؟

netpear
netpear

احتواء أم صدام؟
تطورت العلاقة بين السلفيين بزعامة “أنصار الشريعة’ وحزب النهضة الإسلامي الذي يقود الائتلاف الحاكم في تونس من “المهادنة’ إلى الصدام والمواجهة.فقد حسمت قيادات النهضة والترويكا موقفها النهائي من “السلفية الجهادية’ بعد أن اتهم “علي العريض’ -رئيسُ الحكومة التونسية- زعيمَ جماعة “أنصار الشريعة’ السلفية المتشددة “أبو عياض التونسي’ وبعض رفاقه رسميًّا بممارسة العنف و’الإرهاب’ أو “التخطيط’ له، وحذرهم من أن أمام أنصارهم وقت قصير جدًّا للتبرؤ من الإرهاب والإرهابيين.

ويتجلى مسار المواجهة منذ حادثة الاعتداء على السفارة والمدرسة الأمريكيتين في الرابع عشر من سبتمبر 2012 بعد ثلاثة أيام فقط من حادثة الاعتداء على القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتل السفير الأمريكي بليبيا. وقد وجهت تهمة الاعتداء على سفارة أمريكا إلى “أبو عياض التونسي’.

ومع بداية هذا العام أخذ مسار المواجهة أبعادًا جديدة؛ حيث تعددت المواجهات بين قوات الأمن والجيش من جهة وعناصر سلفية متشددة في عدد من الجوامع والأحياء الشعبية، وخاصة بعد حادثة اغتيال الناشط السياسي اليساري “شكري بلعيد’ في السادس من فبراير الماضي. وهي حادثة اتهم ناشطون علمانيون ويساريون ومراقبون مستقلون قيادة النهضة بتحمل المسئولية السياسية عنها؛ لتساهلها مع السلفيين المتشددين الذين لوحوا أكثر من مرة خلال العامين الماضيين بممارسة العنف ضد كل خصومهم بمن فيهم الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة الأسبق وزعيم حزب “نداء تونس’ وعدد من قيادات الدولة بينهم “علي العريض’ وزير الداخلية السابق ورئيس الحكومة الحالي.

رهان على خيار الحوار

راهنت قيادات حزب النهضة الإسلامي خلال العقد الماضي، ثم بعد انهيار حكم الرئيس “زين العابدين بن علي’ في يناير 2011، على كسب ود الشباب السلفي الذي نشأ في جوامع تونس وجامعاتها وأحيائها الفقيرة خلال مرحلة القمع التي تعرض لها الإسلاميون المعتدلون وبقية المعارضين العلمانيين.

وحاول قادة النهضة التقليل من خطورة انتشار’الظاهرة السلفية’ في بلد معتدل مثل تونس، وفسروها بـ’الفراغ الديني والدعوي’ الذي عاشته تونس خلال عقدين من اضطهاد بن علي للاتجاه الإسلامي وحزب النهضة التونسي والمفكرين والنشطاء الإسلاميين المستقلين.

وبعد فترة أدركت قيادات حركة النهضة وحلفاؤها أن السلفيين احتلوا الكثير من المواقع الدينية والسياسية، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 التي ساهمت في نشر أفكار الجماعات الإسلامية المتشددة أو “الجهادية’ في كل أنحاء العالم، لا سيما في الدول الإسلامية التي تأثر تيار من شبابها بالمجاهدين العائدين من أفغانستان والشيشان والبوسنة وباكستان والصومال، أو ببعض الدعاة من أنصار التيار “الوهابي المتشدد’.

ولعل أكثر المواقف وضوحًا بين قيادات حركة النهضة التونسية من حيث تطورها من “النقيض إلى النقيض’ تلك التي صدرت عن “راشد الغنوشي’ رئيس الحركة وأحد أبرز زعاماتها التاريخية.فقد سعى “الغنوشي’ كثيرًا للتقليل من مخاطر التيار السلفي، وانتقد غالبية الساسة العلمانيين والإسلاميين الذين طالبوه وحكومة النهضة بالتعامل معهم بقوة. ووصف أكثر من مرة الشباب السلفي بـ’أبنائي’، وراهن على إقناعهم بـ’الحسنى والحكمة والموعظة الحسنة’ بأخطائهم في قراءتهم المتشددة للمرجعيات الإسلامية.

ففي هذا السياق، سعت حركة النهضة إلى تحييد السلفيين التونسيين عن اللعبة الانتخابية والسياسية العلنية؛ فنظمت الانتخابات العامة في 23 أكتوبر 2011 دون وجود منافس من التيارات السلفية لحزب النهضة، الأمر الذي مكنها من أن تحصد الغالبية الساحقة من الأصوات التي منحها الناخبون للتيار الإسلامي، ولم تواجه منافسة سلفية مثلما جرى في مصر مثلا.

وكانت سياسة قيادة النهضة إلى ذلك التوقيت ناجحة نسبيًّا، خاصةً وأن الحكومة “الائتلافية’ التي أفرزتها الانتخابات اقتنعت مع النهضة بعدم “التورط في خطة مواجهة أمنية شاملة مع كل خصومها السلفيين على غرار ما فعل نظام بن علي’. وغضت الحكومةُ النظرَ عن الانقلابات التي قام بها أنصار للتيار السلفي في عدد كبير من جوامع البلاد، متحدين الأئمة المعتدلين والمصلين ونداءات وزارة الشئون الدينية، بل ودعت الحكومةُ إلى “التعقل’. وغاب عن حكومة النهضة وحلفائها أن خسران “معركة الجوامع’ لصالح السلفيين المتشددين و’أنصار الشريعة’ منح زعاماتهم فرصة خطيرة لتوجيه الشباب والرأي العام.

من “الحوار’ إلى الصدام

تعاقبت أحداث العنف اللفظي والمادي التي تورط فيها سلفيون متشددون في جهات عديدة من تونس، مما دفع قيادات النهضة ورئيسي حكومتها السابق حمادي الجبالي والجديد علي العريض إلى “الحسم’، وتشريع دخول قوات الأمن والجيش ومؤسسة القضاء في مواجهة شاملة مع “السلفيين المتشددين’ و’الإرهابيين’.

وكان الهجوم على السفارة الأمريكية في سبتمبر 2012 نقطة التحول التي أوشكت على أن تتسبب في إسقاط حكومة النهضة وحلفائها، والتي بادرت إلى اعتقال نحو 900 ناشط من “السلفية الجهادية’ و’أنصار الشريعة’ الموالين لـ’أبو عياض’ وفق قوائم مفصلة قدمتها استخبارات دولية لتونس، من بينها الاستخبارات الأمريكية.

ولم يتردد “راشد الغنوشي’ في هذا السياق عن وصف “أنصار الشريعة’ بالإرهابيين والخارجين عن القانون و’خوارج العصر’. وهو الذي كان قبل أسابيع قد صرح في تجمع شعبي كبير لحزبه في العاصمة التونسية بأن بعض خصوم النهضة العلمانيين -مثل رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي، زعيم حزب “نداء تونس’ العلماني- “أخطر من السلفيين’.

وقد برر “الغنوشي’ موقفه السابق من السلفيين بكونهم مهمشين وخارج أجهزة الدولة، بينما جماعة “نداء تونس’ بقيادة “الباجي قائد السبسي’ في صلب أجهزة الدولة، قائلا: “تجدهم في الإدارة وفي الإعلام، وهم أخطر على الثورة من السلفيين الذين هم طيف واسع متعدد’. مضيفًا أن “هناك سلفية مسالمة، وهناك سلفية عنيفة، ونحن نتعاون مع كل طرف بالحوار، وكل من يتجاوز حدوده فهناك قانون يحكم عليه’ على حد تعبيره.

الخطوط الحمراء الجديدة

وإذا كان هجوم مئات من السلفيين على السفارة الأمريكية في سبتمبر الماضي “خطًّا أحمر’ بالنسبة للحكومة الائتلافية الحالية وقيادات النهضة وللعواصم الغربية؛ فإن السلفيين “الجهاديين’ ومن بينهم تنظيم “أنصار الشريعة’ انتهكوا خطوطًا حمراء جديدة عندما قرروا الدخول في مواجهات جديدة مع الدولة وقوات الأمن في بعض الأحياء الفقيرة في العاصمة مثل “دوار هيشر’ و’التضامن’ و’الانطلاقة’ و’الكرم’ وفي مدن فقيرة ومهمشة والجبال على الحدود الجزائرية التونسية وفي الجنوب التونسي.

ويتزايد الضغط على حكومة النهضة والترويكا بعد كشف التحريات الأمنية عن أن أحد منفذي جريمة اغتيال اليساري “شكري بلعيد’ كان “سلفيًّا جهاديًّا’.

وقد تسبب الصدام بين السلفيين المتشددين وقوات الجيش والأمن في مقتل ما لا يقل عن 16 سلفيًّا متشددًا أثناء المواجهات، أو بعد إيقاف بعض المتهمين بالعنف. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ تونس التي تواجه فيها حكومة إسلامية نشطاء محسوبين على تيار الإسلام السياسي بقوة السلاح، بحجة خروجهم على القانون، وتمردهم على القيادات التي انتخبها الشعب بكامل الحرية، وتورطهم في العنف والإرهاب.

وبلغ التصعيد السياسي والإعلامي أوجه ضد “السلفية الجهادية’ في خطاب قيادات النهضة خلال المؤتمرين الصحفيين اللذين عقدهما أواسط شهر مايو كل من رئيس الحكومة “علي العريض’ وزعيم حزب النهضة “راشد الغنوشي’، وكذلك خلال تصريحات مماثلة صادرة عن زعامات “الائتلاف الثلاثي الحاكم’، الرئيس “المنصف المرزوقي’ ورئيس المجلس التأسيسي “مصطفى بن جعفر’ وقياديين بارزين من حزبيهما ومن أحزاب قريبة من “الترويكا’.

خطة “احتواء مزدوج’

هل يعني هذا أن قادة النهضة وشركاءهم في الحكم سيدخلون خلال المرحلة القادمة في مواجهة شاملة، لا سيما بعد أن تسبب منع اجتماع غير قانوني لأنصار الشريعة في أعمال العنف الخطيرة التي شهدتها الضواحي الشعبية للعاصمة تونس يوم الأحد 19 مايو، مما تسبب في سقوط قتيل وعشرات الجرحى ومئات المعتقلين؟.

تصريحات رئيس الجمهورية “المنصف المرزوقي’ ورئيس الحكومة “علي العريض’ ومستشاره السياسي الوزير “نور الدين البحيري’ تفند هذه الفرضية، خاصة وأن البلد مقبل على انتخابات عامة يخشى كل طرف فيها من الخطوات “اللا شعبية’، ومن بينها مواجهة التيار السلفي الذي نجح في استقطاب عشرات الآلاف من الفقراء والشباب العاطل عن العمل والمهمش اجتماعيًّا وثقافيًّا قبل الثورة وبعدها.

فلا خيار أمام النهضة وحلفائها إلا التمادي في خطة “الاحتواء المزدوج’ للتيار السلفي، مع رفع غصن زيتون في وجه السلفيين المسالمين بزعامة “البشير بن حسن’ و’محمد خليف’ و’خميس الماجري’ وغيرهم، وفي المقابل رفع العصا في وجه “أنصار الشريعة’ وزعمائهم المتهمين بالإرهاب والعلاقة مع القاعدة مثل “أبو عياض’.

وفي مؤتمر صحفي مطول بعد المواجهات الجديدة مع تنظيم “أنصار الشريعة’ أعلن رئيس الحكومة “علي العريض’ أن هذا التنظيم أمامه وقت “غير طويل’ حتى يعطي موقفًا واضحًا يدين فيه العنف والإرهاب، ويتبرأ منهما، ويقر بقوانين البلاد، ويتبع السلوك القانوني للأحزاب والجمعيات والمنظمات القانونية.

في الوقت ذاته، أكد جُلُّ قادة النهضة أنهم مع الحوار السياسي والعلمي والديني مع أتباع “السلفية الإيمانية’ أو “السلفية العلمية’ المسالمين الذين لم يتورطوا في تكفير الحكام الجدد، وقوات الجيش والأمن وموظفي الدولة، ولا يبررون استخدام العنف ضدهم.

ويراهن سياسيون علمانيون كثيرون في تونس، بينهم رئيس الجمهورية “المنصف المرزوقي’ ورئيس البرلمان الانتقالي “مصطفى بن جعفر’ مع قيادات النهضة والأحزاب الإسلامية المعتدلة المنافسة لها؛ على رهان ترشيد السلفيين، ودفعهم إلى الاعتدال والحوار.

وفي هذا السياق، خصصت قيادة النهضة بعض رموزها التاريخية المحافظة مثل “الصادق شورو’ و’الحبيب اللوز’ للحوار مع السلفيين ورموزهم، وتوعية شبابهم، حتى تتجنب المواجهات الشاملة داخل أنصار التيار الإسلامي الواسع، وهي التي لن تخدم شعبيته انتخابيًّا، وإن أكسبته دعمًا سياسيًّا من قبل الشباب وأنصار التيار العلماني المؤثر بقوة في النخب التونسية.

كمال بن يونس

المصدر: المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية

Comments are closed.