لماذ الغموض حول مرض الرئيس الجزائري؟

netpear
netpear

لا زال الغموض والتكتم يلفّ الوضعية الصحية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الموجود منذ مدة في المستشفى العسكري ’ فال دي قراس ’ بباريس، على إثر نقله من الجزائر للعلاج في فرنسا، وقد تضاربت الأنباء حول حقيقة مرضه في ظل التصريحات الرسمية الجزائرية المبالغة في التفاؤل، والصمت المطبق من طرف السلطات الفرنسية، اعتمادا على قانون حماية السر الطبي للمريض، الذي لا يحق إلا لعائلته المقربة جدا معرفة حقيقة مرضه، مما غذى الشائعات في الأوساط الشعبية الجزائرية في الداخل وفي المهجر، وفتحت الأبواب على كثير من الأقاويل والتكهنات، خصوصا وأن وضعية مرض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وموته هنا في فرنسا لا زالت حاضرة في الأذهان، ورغم شح المعلومات، إلا أن العديد من المصادر تتفق أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وضعيته الصحية حرجة، وربما قد لا تكون كما أعلن الوزير الأول “عبد المالك سلال’ أن ما يقال عن صحة الرئيس ’ من المعلومات الخاطئة التي بثت من قبل بعض وسائل الاعلام الأجنبية’. وفي غياب الوضوح حول حقيقة الوضعية الصحية للرئيس بوتفليقة، تغزو الشارع الجزائري الشائعات والتساؤلات في كل الاتجاهات، وتتردد أسماء بعض المؤهلين لخلافته، منهم المحامي والقاضي “علي بن فليس’، الذي كان يشغل خطة رئاسة الحكومة، ويحظى بثقة الرئيس قبل أن تتم القطيعة بينهما سنة 2003، ليصبح منافسا له في انتخابات سنة 2002، و’عبد العزيز بالخادم’ الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، والذي كان شغل إلى وقت قريب خطة ممثل الرئيس برتبة وزير دولة، والمعروف بتوجهاته العربية الإسلامية، وأحد المؤمنين بقانون الوئام والمصالحة، الذي كان الرئيس الجزائري “عبد العزيز بتفليقة’ أحد المفعلين له على إثر توليه السلطة، والذي بموجبه تمت المصالحة بين السلطة والحركات المسلحة وإصدار العفو، مما ساهم في الهدوء الأمني وصمت لغة البنادق، دون أن نختزل بصمات الرئيس السابق “لمين زروال’ الذي كان أحد مهندسي هذا الخيار.

 

السيناريو المكرر

 

للتذكير فإن نفس سيناريو الغموض قد رافق الرئيس بوتفليقة حول وضعه الصحي سنة 2005، حين جيء به للعلاج في فرنسا. حيث أجريت له عملية دقيقة من أجل قرح في المعدة. وظلت الأخبار في تلك الفترة كما الآن متضاربة، ويلفها الاستفهام وعدم الوضوح. ولم تقنع وقتها التصريحات الرسمية الشارع الجزائري. حيث تدثرت الديبلوماسية الجزائرية بنفس الضبابية والتكتم. مما جعل المواطن الجزائري يلتجأ إلى البحث عن أخبار رئيس بلده في الاعلام الاجنبي، غير مكترث بما أعلنه حينها ممثله الشخصي ووزير الدولة السيد عبد “العزيز بالخادم’، أن حالته الصحية متحسنة، وهو يمارس مهامه من المستشفى، حيث باتت مثل هذه المواقف والتصريحات لا تحضى بثقة المواطن، نظرا لافتقارها للصراحة والوضوح. وللإشارة فإن وجود بوتفليقة في تلك الفترة لاستشفاء، وتحديدا سنة 2005، تزامن مع طرح قانون في البرلمان الفرنسي يوم 23 ايلول 2005 يعتبر الاحتلال الفرنسي لشمال إفريقيا ومقاطعات ’ أوتر مار، والمارتيني’ بالإيجابي، لأنه ساهم في نقل المدنية والتحضر والحداثة إلى هذه البلدان المتخلفة، وشدّد هذا القانون على إدراج هذه المفاهيم في المناهج التعليمية، لتدريسها قصد التعريف بالدور الريادي للاستعمار الفرنسي في هذه الدول.

وقد أثار حينها هذا القانون ردود أفعال متباينة، وانقسمت الطبقة السياسية والثقافية والإعلامية بين مؤيد ومعارض، ممّا خلق جدلا ساخنا في أوساط المؤرخين ومختلف الأطر المتنوعة سياسيا واجتماعيا، زاده رفض البرلمان الجزائري لهذا القانون تأجّجا، ممّا انعكس سلبا على اتفاقية الصداقة بين الجزائر وفرنسا، التي بدا عليها التعثر وهي لا زالت في طور المحادثات الأولية، إذ اعتبر الجزائريون هذا القانون تزويرا للتاريخ، ما جعل الرئيس الفرنسي “جاك شيراك’ يصرّح في خطاب متلفز بأن التاريخ يكتبه المؤرخون ولا يصوغه السياسيون.

 

رئساء الجزائر..بعيدا عن الأضواء

 

الملاحظ أن المؤسسة الرئاسية الجزائرية وطيلة عقود ظلت مسيجة وموصدة في وجه الخبر اليقين. كلما تعلق الأمر بأوضاع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الجزائر. حيث ظلت السرية عنوانا بارزا حول جملة التغييرات والمتغيرات التي تطرأ على أعلى هرم السلطة. ليكون الغموض والضبابية شكلا من أشكال الكتمان والسرية، التي هي نهجا عسكريا ومنطقا أمنيا. مما يعزز القول بأن المؤسسة العسكرية في الجزائر هي من يمسك بناصية الرئاسة. ولم تكن وضعية الرئيس بوتفليقة الصحية الحالية التي تلفها الضبابية استثناء، فقد لاقى من قبل الرئيس الراحل “هواري بومدين’ نفس التعتيم الإعلامي، مما فتح الأبواب أمام التكهنات والتأويلات، وصلت إلى القول أن “هواري بومدين’ لم يقع الاعلان عن نبأ وفاته إلا بعد شهرين من موته، إلى جانب غياب حقيقة مرضه المفاجىء، الذي بقي طي الكتمان، ومثيرا للعديد من التساءلات. كما أن خبر استقالة الرئيس “الشادلي بن جديد’ لم يحض بمصداقية لدى الرأي العام الجزائري، الذي رجح أن تكون المؤسسة العسكرية هي التي فرضت الاستقالة على الشادلي بن جديد، أو هي التي قامت بإقالته، كما تعتقد غالبية الجزائريين. وكذلك الرئيس “لمين زروال’ الذي هو الآخر تحوم حول تنحيته العديد من الاستفهامات، هل غادر ركح الرئاسة بمحض إرادته؟ أم فرض عليه الانسحاب والخروج النهائي من المسرح السياسي؟ لتبقى الأسئلة المتناثرة حول من يدير شؤون الحكم في الجزائر؟ ومن يملك التفويض للتصريح؟ هل المؤسسة الرئاسية؟ أم المؤسسة العسكرية ذات الأيادي المطلوقة؟

Comments are closed.