“لو عثرت ناقة في باريس لسئلت عنها”

netpear
netpear

article

من منا نسى ذاك المواطن الجزائري الأشم (؟؟)، المدعو حمزة الساسي، الذي دخل التاريخ من باب “قُبلة” ناعمة الملمس لعقت يد الرئيس الفرنسي، على هامش و”هامس” زيارة هذا الأخير لجزائر أجداده؟ ومن منا لم يزايد بالكرامة والعزة وبتاريخ: “يا فرنسا قد مضى وقت العتاب”، ليكفر شفاه ذلك الساسي، ويهدر مواطنته ودمه وأصوله الجزائرية المطعون فيها بعد قبلته الشهيرة (؟؟)..

 

كلنا ثرنا ونددنا ومارسنا أقصى ما امتلكناه، من متاجرة وتبضع وتسوق بالعظمة الجزائرية التي مُرغ أنفها و”خشمها” في التراب من طرف “ساسي” اخترق جموع المتدافعين على قِبلة فرنسا، ليتمكن بعد “جهر” جهيد من نيل مكرمة الدخول إلى التاريخ عبر “قُبلة” حنان وحنين اختزلت شهوة الضحية ليد جلادها. فالقصة أخذت منا الكثير من الوقت ومن الشتم ومن البصق في وجه ذاك العتي الذي رمينا على قُبلته كل عقدنا ونكساتنا وخيبات الشرف فينا، لنجعل منه “مشجبا” علقنا عليه بطولات الوهم التي يقتات منها ساسة ومسؤولو هذا الوطن بقية من بطولة لم تعد متوفرة إلا في دكاكين المتسوقين من تاريخ أننا الشعب العظيم، وأنهم الرجال الواقفون والموقوفون على ذمة وطن لم يخلق غيرهم..

 

مدانون نحن من أصغر مدعٍّ منا للمواطنة إلى أكبر متاجر بها، باعتذار رسمي للمدعو الساسي حمزة الذي فاخر على الجميع بما كنا نظنه وزرا وذنبا لا يغتفر، فإذا الأيام تأتي بصفعاتها وإذا بهولاند، الرئيس الفرنسي المحبوب (؟؟)، انتصر لشفاه لعقت يديه ليعلمنا من الهند، بلد عبادة البقر و”البعر”، أنه الرئيس وأن تقبيل يديه من طرف جزائري ما أمر ثانوي، أمام حقه علينا في أن نقبل رأسه وقدميه، فقط..لأنه الرئيس المسؤول الذي قطع زيارته لنيودلهي بفاصل إنساني ليقدم تعازيه وأسفه ونكبته على شاب جزائري عاطل انتحر حرقا في مدينة “نانت” الفرنسية، فكان رد الفعل من وزن أسف دولة على مواطن مهما كانت جنسيته وأصله والدم الذي يسري في عروقه، فإن فرنسا الديمقراطية والمسؤولة عن المنتسبين لرعاياها تحركت من الرئيس هولاند إلى رئيس الوزراء جان مارك، لتقف دقيقة صمت على منتحر جزائري الموت والفجيعة، كانت رسالة انتحاره أن المنتحر لم يكن شابا جزائريا عاطلا عن العمل ولكنها جزائر عزّاها وعرّاها فرنسوا هولاند من نيودلهي، بعد أن أعطانا درسا كامل المضمون عن المُواطنة التي تفرض على رئيس دولة أن يقتطع من زيارة دولة لحظات ليعزي من ليس من دمه ويتأسف عليه.. أليست هذه بالذات حكاية “لو عثرت ناقة في باريس لسئلت عنها”.

 

المنتحر الحقيقي في طعنة “فرنسوا هولاند” لنا، ليس ذاك الشاب الجزائري الذي أفسد حريقه زيارة رئيس دولة، ولكنها جزائر بين محترقها وحريقها أرقام لا نعلم عنها سوى أن النار والبنزين أصبحا حاضرا يوميا في انتحار لا يهم لا ميرا ولا واليا ولا وزيرا.. بالطبع لن نقول رئيسا فالرؤساء عندنا لديهم من “المهام” ما يغنيهم عن متابعة “سفاسف” اللهب والملتهبين من يائسين وقانطين، لا يعلمون أن الله حـرّم الانتحار وأن مأواهم جهنم بما فعلوا في أنفسهم، وخاصة أن وطن الكرامة والعزة وفر لمن شاء تفحما حقه الكامن في أن يكون حطبا دون أن يعترض سبيله شرر..

 

بصدق، ما بعده حرق، نحن مدانون لفرنسوا هولاند بقبلات “حارة” لا تقتصر على يديه الناعمتين، ولكنها تتعداها إلى قدميه ورأسه، فالرجل علمنا من نيودلهي، حين قطع زيارته الرسمية ليعزي الضحية ويعري جزائر “رانا واقفين”، أن باريس لا تقبل أن يحترق مواطنوها ولو كانوا من درجة “الحثالة” (؟؟). فالحياة تعني لهم حياة سواء كانت حياة قِط أو حياة جزائري قانط ويائس أراد أن يحرج بلد الجن والملائكة..

 

المدعو حمزة الساسي، الذي أهدرنا كرامته ودمه على خلفية “قبلته” التاريخية، له الآن أن يقارع الجميع بأنه كان “يقبل” التاريخ ويقبل الحضارة حين لثم يدي هولاند، ودليله غني عن أي “نعيق” من طرف المزايدين بزمن “العنزة” والكرامة. فقصة الشاب الجزائري المغترب الذي أنهى حياته حرقا، برهان قائم على أن “الوطن أخطأ و”حمزة الساسي” أصاب في قبلاته وفي صلاته باتجاه قِبلة هولاند. ولمن يزايد على من دخل التاريخ بلعقه يد هولاند، فإن فرنسوا من نيودلهي علمنا أنه التاريخ، أما البقية فجغرافيا من الكائنات الغبية التي تمارس اللغو أمام النار وأمام اللهب الذي مس العشرات من أرقام مجهولة، تحولت إلى رماد في بهو المحاكم، حيث العدل أساس “النيران” المشتعلة، وأمام أبواب الإدارات ومن بين منابر المساجد..

 

كل ولايات القطر وعلى امتداد عامين من مسلسل “البنزنة” الاجتماعية للوضع، تعيش الوضع نفسه، هذا رماد نار وذاك مشروع حريق، والإحصائيات الرسمية أثبتت في كافة حالات الاحتراق الجزائري التي عايشنا أطوارها ونيرانها، أن لا دمعة مير أو وال، ولا أقول وزيرا، غادرت مآقيها، لتتأسف على ما حدث.. شعارهم في كل حالات النار.. تشريح “الرماد” لمعرفة نوع السائل المشتعل، أما القتيل فإن الله جلّ وعلا سيحاسبه على فعلته بنفسه وانتحاره وخاصة بعد أن أفتت مصالح غلام الله في أكثر من منبر أن “حرق ” النفس حرام.. وحرام كذلك..

 

إلى أي مدى يمكن أن نحترق حتى يستشعر أقلهم شأنا من مسؤولي الحريق، أنهم مسؤولون عن النار بشكل لا لبس فيه؟

 

ذاك هو السؤال العالق في غياب أنه لا أحد موجودا بالجوار، غير “هولاند” محترم ومرفوع الرأس، لم يتوان في قمة زيارته للهند عن أن يقول للجزائريين.. أمركم يعنيـني، وأعزي فيكم وطنا محترقا.. وأختم في نهاية اللهب الذي أضرمه فينا فرنسوا هولاند، بخبر حدث منذ مدة قليلة من عشرات الحرائق المشتعلة التي لم تثر أحدا.. طالعوا معي: “توفي، عشية أمس بمستشفى لخضر بوزيدي، الشاب لشهب عبد الرزاق 25 سنة، من بلدية اليشير بولاية برج بوعريريج، بعد أن رش جسده بالبنزين وأشعل النار أمام باب مقر الولاية. وحسب الوسيط الإداري، يكون الضحية قد اشتكى من عدم تسليمه وصلا لملف بطاقة التعريف الوطنية ببلدية مجانة”. شكرا على المتابعة.. فاصل ناري ونواصل معكم عرضنا لمسلسل رماد وطن، غالبا ما تغلق قضايا احتراقه بعبارة: الضحية كان يعاني اضطرابات عقلية.. “أحنا مهابل فماذا عنكم..؟”

 

المصدر: يومية البلاد الجزائرية

 

Comments are closed.