“مؤشرات القضاء نهائيا على بوكو حرام لن تظهر قبل 5 سنوات”

مصادر تمويل متنوّعة، واستقطاب للشباب المهمّش، إضافة إلى قدرة كبيرة على إدارة حرب العصابات التي لا تجيدها الجيوش النظامية، من أبرز العوامل التي تؤمّن استمرارية المجموعة المسلحة، بحسب جيوسياسي كاميروني

المشرف
المشرف

“المؤشرات الأولى’ للاندثار النهائي لمجموعة “بوكو حرام’ النيجيرية المسلحة، والتي عادت لتضرب بقوة، أمس الخميس، في منطقة أقصى الشمال الكاميروني المحاذية لنيجيريا، لن تظهر قبل “5 سنوات على الأقل’، بحسب الجيوسياسي الكاميروني صامويل نغيمبوك.

نغيمبوك، الأستاذ والباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، أوضح في حديث للأناضول، أنّه “حتى في ظلّ تشكيل قوة التدخّل المشترك المتعددة الجنسيات، أمس الخميس، إثر زيارتين قام بهما الرئيس النيجيري الجديد، محمد بخاري،  إلى نظيريه التشادي إدريس ديبي إتنو، والنيجري محمدو يوسفو، فإنّه سيكون من الصعب احتواء مجموعة مسلّحة تحذق بشكل كبير تقنيات حرب العصابات’.

وأجبرت “انتهاكات’ الجماعة المسلّحة، التي أثقلت المناطق الكاميرونية المحاذية لنيجيريا بحوادث النهب والقتل والاختطافات، الكاميرون ودول حوض بحيرة تشاد، على البحث عن حلول مشتركة لمواجهة مدّ “الإرهاب’ المتنامي في المنطقة، فدفعت تشاد، في 16 يناير/ كانون ثان الماضي،  بقوات تتألّف من ألفين و500 عسكري، إلى شمالي الكاميرون لمساعدتها على القضاء على هذه الجماعة، ومنع توسّعها نحو بلدان أخرى، قبل أن تنضم إليها النيجر.

إلاّ أنّ بعض الخلافات في وجهات النظر، لم تفسح المجال لهذه القوة لإدراك أهدافها، وهو ما دفع ببلدان حوض بحيرة تشاد المعنية بخطر انتهاكات “بوكو حرام’ إلى تشكيل قوة جديدة بمبادرة من كلّ من نيجيريا وتشاد وبنين والنيجر والكاميرون، تضم 8 آلاف و700 رجل.

وفي وقت يؤكّد فيه المراقبون على المستوى الإقليمي والدولي أنّ الاستراتيجية المستقبلية المقررة، في العاصمة التشادية نجامينا، من قبل الرئيس التشادي ونظيره النيجري، ستكون بمثابة نقطة التحوّل في الحرب ضدّ المجموعة المسلّحة، قدّر الخبير السياسي الكاميروني القيمة الحقيقية لهذه السياسة التي لم يعلن عن فحواها بعد، قائلا: “خلال زياراته، بخاري بدا متمسّكا بمعرفة تطوّرات الوضع بهذا الصدد، قبل أن يشرع في توزيع المهام على شركائه، غير أنّه لا ينبغي أن ننتظر القضاء على بوكو حرام بين ليلة وضحاها، أو عبر لمسة العصا السحرية’.

استنتاج قال نغيمبوك إنّه توصّل إليه من خلال قراءته للوضع على الأرض، ولقدرات الجيوش النظامية “العاجزة عن القضاء على مجموعة مسلّحة كثيرة التنقّل والحركة، وقوية بإمكاناتها الميدانية وبجاذبية انتماء شبابها إلى أوساط مهمّشة وفقيرة. فالمجموعة المسلّحة تتحرّك ضمن المجال الجغرافي لحوض بحيرة تشاد، والذي يمتد على مساحة 2.434 مليون كم مربع، أي ما يعادل 8 % من مساحة القارة الأفريقية’.

ولفت إلى أنّ “سلسلة الجبال المرتفعة التي تحدّ حوض بحيرة تشاد، والممتدة وصولا إلى الهضبة الاستوائية في الشمال، تفسح للمجموعة المسلّحة مجالات واسعا للمناورة والهروب والاختفاء ضمن منطق العصابات الذي غالبا ما يطرح العديد من الإشكالات بالنسبة للجيوش التقليدية’.

غير أنّ الصعوبات التي تحول دون القضاء على بوكو حرام، في الوقت الراهن، لا تشمل العوامل المادية والجغرافية فحسب، وإنما تطال جانبا آخر على نفس القدر من الأهمية، فـ “الفئات الاجتماعية المهمّشة في البلدان المكوّنة لحوض بحيرة تشاد يستجيبون بسهولة لخطابات زعماء التنظيم المسلّح، حيث يجدون فيها ما يفجّر غضبهم وحنقهم على أوضاعهم، وتمنحهم الأمل بالإفلات من الفقر ومن حياة البؤس التي يعيشونها. ومن هنا، أعتقد أنه سيكون من الصعب تجفيف منابع بوكو حرام على المدى القصير، حتى وإن تم ذلك عبر تعزيز القدرات العسكرية بقوات إقليمية’، استطرد الخبير السياسي الكاميروني.

وبالنسبة لنغيمبوك، فإنّ “المعركة ضدّ بوكو حرام لا تحسم خارج مقاربة شاملة تجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تحقيق العدالة بين المواطنين على مستوى تقسيم وتوزيع الثروات والخدمات الاجتماعية’، محذراً من أنّ “الحلّ العسكري لن يتمكّن وحده من حلّ الأزمة، طالما لم يتم القضاء على جذور المعضلة’.

جذور المعضلة، أو جذور الشرّ، هو نفس المصطلح الذي استخدمه أيضا الجامعي السنغالي باكاري سامبي، في كتابه الصادر مؤخرا تحت عنوان “أموال بوكو حرام’، واستعرض من خلاله العوامل أو الأسباب التي ساهمت في ظهور التنظيم المسلّح.  فالنظام التربوي والتعليمي “المزدوج في نفس البلد’ هو “أصل الآفة’، بما أنّه يضم منهجا غربيا يضمن لمتّبعيه وظيفة تابعة للدولة، في حين يضطر أبناء الفقراء والمعدمين إلى اتّباع منهج تعليمي ناطق باللغة العربية، يضعهم على الهامش ويجبرهم على قضاء سنوات وهم يجاهدون من أجل الحصول على وظيفة تضمن لهم وضعا محترما في بلدهم، وفق ما جاء بالكتاب.

الكتاب تطرّق أيضا إلى تنوّع مصادر تمويل مجموعة بوكو حرام، كاشفا أنّه “علاوة على الفدية التي تحصل عليها المجموعة المسلحة عقب عمليات اختطاف الرهائن، والتي تتحدث عنها، بتردّد، وسائل الإعلام الدولية والمنظمات غير الحكومية، فإنّ عناصر التنظيم اضطروا لبيع ممتلكاتهم العقارية وتجارتهم، وحتى مجوهرات نسائهم، لدعم أنشطتهم’.

وعلاوة على ذلك، رجّح الكتاب استخدام “الميليشيات السياسية التابعة لمختلف الأحزاب، عناصر المجموعة المسلحة لتصفية خصومها السياسيين’، كما أنّ “علماء بوكو حرام ذهبوا إلى درجة أضفوا معها الشرعية على السرقة، معتبرين أنّها جائزة خلال الحروب’، بحسب المصدر نفسه.

وفي نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، هاجمت مجموعة “بوكو حرام’ العديد من البنوك في ولايات أقصى الشمال النيجيري، واستولت، بين 2012 و2014، على ما قيمته “6 ملايين دولار’. وإضافة إلى ذلك، قال سامبي في الكتاب نفسه، إنّ “بعض شخصيات ولايات الشمال أبرمت اتفاقات مع بوكو حرام، تحصل من خلالها على الحماية اللازمة من هجماتها لقاء مبالغ مالية متفق عليها’.

Comments are closed.