ماذا حين تتفق روسيا وأمريكا بشأن سوريا؟ * ياسر الزعاترة

المشرف
المشرف

لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده كلٌ من وزيري خارجية روسيا وأمريكا (كيري ولافروف) في موسكو ليلة الأربعاء عاديا بأي حال، وهو ليس كأي لقاء سابق يتضمن كلاما مكررا حول ضرورة الحل السياسي، فهنا في هذا المؤتمر كان الانسجام أكبر بكثير، وتم الاتفاق خلال المباحثات على لقاء بين أوباما وبوتين، وعلى عقد مؤتمر دولي بشأن سوريا “في أسرع وقت ممكن”، “نأمل أن يكون نهاية هذا الشهر” كما قال كيري. فأية مستجدات دفعت الطرفين إلى هذا الانسجام، وتبعا له البحث المشترك عن حل سياسي لما بات يعرف دوليا بالأزمة السورية.

ليس من العسير الربط بين ما جرى في موسكو وبين الغارات الإسرائيلية على قلب دمشق، والأرجح أنه جاء على إيقاع الخوف الإسرائيلي من أن تبادر إيران إلى خطوات من شأنها الرد (من خلال سوريا) على تلك الغارات، وبالطبع في سياق من تأكيد نظرية المؤامرة، وتبعا لذلك في سياق من التحذير من مغبة تدخل دولي في سوريا.

الانسجام بين كيري و لافروف جاء أيضا إثر مطالب إسرائيلية كما هو واضح، حيث اتصل نتنياهو ببوتين، مركزا على القضية السورية. ثم زار الصين في ظل انتقادات خجولة منها ومن روسيا للعدوان الإسرائيلي على سوريا. وليس بعيدا عن ذلك، جاء التطور الجديد في ظل نشاط محموم يتعلق باستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني، وسط حديث عن مشروع جاهز لاستئنافها، وبالطبع بعد أن أعلن محمود عباس استعداده للجلوس مع نتنياهو.

ما ينبغي أن يقال في هذا السياق هو أن الصراع الدولي بين روسيا والولايات المتحدة لا يمسُّ بحال المصالح الإسرائيلية، ففي حين يتحرك الأمريكان في المنطقة على إيقاع المطالب الإسرائيلية، فإن بوتين بدوره كان ولا يزال حريصا كل الحرص على عدم استفزاز الإسرائيليين، هو الذي يدرك أية متاعب يمكن أن يثيروها له من خلال أذرعهم في أمريكا والغرب، بل حتى في الداخل الروسي عبر أذرعهم الكثيرة أيضا.

من هنا يمكن القول إن ما جرى في موسكو هو تعبير عن تلبية المطالب الإسرائيلية؛ أولا باستبعاد أية ردود فعل من إيران وحلفائها على الهجمات الإسرائيلية، وثانيا من أجل تأمين حل سياسي في سوريا يحول دون الفوضى فيها، ودون سقوطها بيد “التطرف” الذي يشكل عبئا على الجميع كما ذهب الطرفان؛ الولايات المتحدة التي لم تغادر مربع الخوف مما تسميه الإرهاب، وروسيا التي لا يتخلص زعيمها من عقد الإسلاميين في القوقاز.

في هذا السياق تحدث كيري، في انسجام كبير مع لافروف، إذ قال إن بديل الحل السياسي هو “اقتراب سوريا بشكل أكبر من، إن لم يكن السقوط في هاوية الفوضى”، موضحا أن الولايات المتحدة وروسيا تريدان “أن تستقر أوضاع سوريا، وتخلو من التطرف، والمشاكل التي تمسُّ المنطقة جمعاء”، وحين يقول المنطقة، فهو يعني إسرائيل بشكل أساسي، لأنه لا مخاطر تترتب على المنطقة يمكن أن تهمَّ الطرفين أكثر من المسِّ بأمن دولة الاحتلال، سواءً بشكل مباشر، أم عبر فوضى في المحيط تؤثر عليها أيضا.

الاتفاق الذي تم بين الطرفين، يتمثل في تفعيل بيان جنيف الذي ينص على تشكيل حكومة انتقالية، وهو البيان الذي لم يَحسم بشأن مصير بشار، وإن بدا أن جوهره هو الإبقاء عليه، أقله خلال المرحلة الأولى من عملية الانتقال السياسي، وسيتضح الموقف أكثر بعد لقاء أوباما- بوتين المتوقع خلال الأيام المقبلة.

ما ينبغي التذكير به هنا أيضا هو أن تعطيل اتفاق جنيف في المرات الماضية، لم يأت من قوى المعارضة التي سكتت عليه، بل من النظام، الأمر الذي انعكس في إحباط الأخضر الإبراهيمي الذي طالب بحكومة كاملة الصلاحيات، فيما عاد يقول إن النظام لم يقدم أية بادرة جيدة للحل.

وحين يؤكد لافروف على تطبيق بيان جنيف من الطرفين، فهذا يعني أن روسيا في حال وافق ممثلو المعارضة، ستكون على استعداد لفرض الحل على بشار (هكذا تعتقد على الأقل)، وهو ما يعني تغيرا ما في الموقف الروسي، الأمر الذي يثير أسئلة بشأن موقف إيران مما يجري، هي التي يعنيها حاليا إعطاء انطباع بإمكانية الحل على مشارف انتخابات الرئاسة بعد أسبوع من الآن.

السؤال الذي لا يقل أهمية هنا يتعلق بموقف الدول الداعمة للثورة، وفي مقدمتها تركيا وقطر والسعودية، إذ هل ستفرض على قوى المعارضة المشاركة في المؤتمر الدولي؟ ثم ماذا سيكون رد المعارضة في حال التوافق دوليا مع الدول الداعمة على قبول بقاء بشار خلال المرحلة الانتقالية؟ وهل إذا وافقت ستتمكن من فرض شيء على القوى المسلحة الفاعلة على الأرض؟!

أسئلة كثيرة لا تتوفر عليها إجابات واضحة، وأقله محسومة عليها، ما يعني أن حرب الاستنزاف ستستمر، فيما سيُلقي النظام بمزيد من ثقله في المعركة بدعم إيران وحزب الله لكي يجعل ميزان القوى التفاوضي يسير لصالحه. ويبقى السؤال الأهم، وهو: ماذا لو رفضت قوى المعارضة الجلوس مع بشار أو ممثليه؟ هل ستتخلى القوى الداعمة عنها؛ بخاصة تركيا، أم ستنسجم معها في قرار المضي في برنامج الثورة حتى النهاية، ولو عبر استنزاف قد يطول؟ نقول ذلك لأن الثورة لا يمكنها الاستمرار وصولا إلى الحسم دون دعم خارجي وحدود مفتوحة مع الخارج (تركيا هي التي تلعب هذا الدور).
المصدر: الدستور الاردنية

Comments are closed.