محقورتي يا جارتي!… من عصير الألم

بقلم الأستاذ و الكاتب الجزائري : العيد دوان

العيد دوان
العيد دوان

يبدو أن مفهوم النخبة في الجزائر غيره عند بقية شعوب المعمورة! فأنصاف المثقفين الجزائريين، خاصة أولئك الذين فاتهم قطار الريع أو لم يقنعوا بما حظوا به منه، ربما أدركوا أن (الزمان فاتهم) وهرموا ولم يصلهم ما كانوا ينصبون له من فخاخ؛ هؤلاء الآن (بعد ترويح الأغلبية)، في حالة ترصد الفرص التي قد تقربهم من مصادر الريع؛ “تراهم ركعا سجدا يريدون فضلا’ من حافظي مفاتيح الخزينة، يتقربون إليهم ويتزلفون بكل ما يرضيهم، ولو كان ذلك بالدفاع عن باطل أو بالانسياق وراء الأوهام المبيتة والمحبوكة في الخفاء.

“كل حزب بما لديهم فرحون’! بعد أن تغيرت “نظرية’ التحزب وتحولت من عالم الأفكار والقناعة وأوجه النظر المشتركة ومابين الناس من مصير مشترك، هجر أنصاف المثقفين عالم المبادئ إلى المصالح الضيقة بلا خلاق ولا خشية من الفضيحة والعار، فانتصروا للباطل عارضين أنفسهم للبيع في سوق الريع. فبعد أن نضب في ضمائرهم وازع الاجتهاد والنزوع إلى الخير الذي كان يرجى منهم، راحوا يفكرون في السبل التي تقربهم من مالكي حدائق الثراء والربح السريع ولو على حساب مبادئهم وما تلزمهم به قواعد الأخلاق.

جلهم أو كلهم آذان صاغية وحواس مركزة على رغبات “أصحاب الفضل’ لعلهم “يكتشفون’ ما به يسترضونهم كي ينالوا شيئا من كرمهم ولو كان على سبيل الرضا، راضين بالقليل وحتى بالتافه أحيانا.. فلم يبق منهم، من المحسوبين على النخبة عند العامة، إلا متزلف أو مجامل أو حتى بائع لنفسه يتنافس مع الحثالة في مصلحة آنية لن تنفعه في شيء.

حزنت ولا يزال الحزن يؤرقني بما تناقتله وسائل الإعلام حول جنازة، الميت فيها فأر! وكأن كل مشاكل الأمة قد حلت، ولم يبق منها سوى واحدة تتطلب توحيد جهود الشعب للقضاء عليها كي نصل إلى بر الأمان.

مشكلة، وما هي كذلك في شيء، لا تحتاج سوى إلى “الصمت’ المضروب عادة على الحمقى.

فما أحمق الزيراوي حمداش

وما أحمق الكمال داود!

وما أحمقنا جميعا!

قوم تبع مشينا في جنازة فأر، وضحكنا على أذقان المستضعفين والسذج من الناس وكدنا ندخلهم في حرب قد لا تنتهي إلا بسقوط أرواح، أغلب الضحايا من أصحاب النوايا الحسنة.

دخلنا فيما يشبه إيذانا بحرب ما كان لها أن تنشب.. سببها أحمقان؛

الحمداش المتفيقه المعتوه وحده دونما أي سند في العلن إلا الجهة المستخدمة في السر والكتمان من جهة؛ ومن جهة أخرى، ذلك الداوود المغرور الباحث عن النجومية، ومعه جيوش من الأنصار يصفقون له، منهم حتى دكاترة و’إطارات’ وحتى حسناوات الوجوه قبيحات الأخلاق، استماتوا في الدفاع عنه بأسلوب ليس فيه أدنى قلامة من الموضوعية، يصب في غير الموضوع بسبب ما فيه من تعميم (بألوان الانتهازية)؛ كأني بهؤلاء يتحينون الفرص ليصبوا جم كرههم الدفين فيما سمي (تعسفا) بالإسلاماوية.. في خطاب عنيف ألفناه (ليس في عهد العنف الدموي فحسب) بل منذ سيدنا آدم عليه السلام.

(ها هو التعصب الإسلاماوي في ثوب السلفية العدوانية يظهر من جديد ويكرر نداءاته لقتل المثقفين…) والكلام للدكتور صاري الذي مال كل الميل بدلا من الانتصار للحق. لم أصدق أن الأستاذ صاري يدخل في معمعة مزرية لا تليق بأمثاله بالنحو الذي دخل فيها من باب الأدب (باعتباره كاتبا ناقدا ومترجما) فضلا عن كونه أستاذا جامعيا !! كان عليه (أقولها وأنا أحد طلابه)، أن يفصل الحديث عن الإسلاماويين في غير هذا السياق وفي غير هذا الموقع، في رواية مثلا، كما في (القلاع المتآكلة) فتجد أفكاره مكانها اللائق في نفوس القراء (الفاهمين) !!  فمن ذا الذي لم يفهم أن دعوة الحمداش كانت معزولة، بل جلبت له سخطا لم يسبق له مثيل من قبل الإسلاميين أنفسهم، قبل التدخل السافر لمثيري الفتن بفرنسا وجيش الفرنكوفليين؟؟

لقد أدهشني ذلك الكم الهائل من التدخلات، على غرار مثيلات ذلك الزلل ((المخطط له من قبل دوائر السوء الجزائرية والأجنبية)).. فأغلب المتدخلين لم يكن همهم ما صدر من تصريحات داوود الأحمق عبر القنوات الأجنبية، على وقاحته (بأسلوب فصيح، واضح لا غبار عليه)، اعتدى من خلالها على كل ما هو عزيز لدى الأمة، ولا هم حصروا هجماتهم النارية على الحمداش المعتوه المعزول تماما والمنبوذ من قبل الجميع، ولو أن وراءه دائرة من دوائر السوء المتحكمة في سير أيام الناس !! كلا الأحمقين استعملا في إيقاظ فتنة نائمة.

ولما فشلت المؤامرة، استيقظ بعض المثقفين الفاشلين وحتى الناجحين (في ظروف مشبوهة) لتأجيج نارها، وذلك بالإفراط في تفسير “تصرف أحمق’ يستحق العقاب فعلا؛ تصرف عملوا على إسقاطه في مجال ذي أبعاد خطيرة كلنا يعلم تبعاته، وثماره المرّة إذا اشتغلت آلتها الحربية!

بقي لنا أن ندعو الجهات المعنية إلى القيام بعملها (وهو ما لم يتم إلى حد الآن) مما يؤكد أن الأمر مخطط له من قبل، وأيدي القضاء قد شلت عمدا، لأسباب لا نعرفها لكننا نفهمها. فلا بد من معاقبة الحمداش ولا بد من مساءلة الداود حول تصريحاته التي أصبحت الآن متداولة، بغض النظر عن كتابه الذي بات من مهمة النقاد.

وليعرف كل واحد حدوده مع ما عليه من واجب التحفظ وحماية البلد.

وأخيرا، رحمة بهذا البلد يا سكان هذا البلد، في عالم لا يرحم أحدا ! لنقطع معا حبال الفتنة بالنصيحة وأضعف الإيمان أن نظهر ما هو باطل دون محاكمات خارج المحاكم الرسمية، قد تنتهي بالفتنة.

Comments are closed.