سلسلة قال مالك بن نبي.. المبدأ أولا

المشرف
المشرف

قال مالك بن نبي “و من المعلوم انه حينما يبتدئ السير إلى الحضارة، لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء و العلوم و لا من الإنتاج الصناعي أو الفنون تلك الأمارات التي تشير إلى درجة ما من الرقي، بل إن الزاد هو المبدأ الذي يكون أساسا لهذه المنتجات جميعا’ (شروط النهضة ص 55 ).

ينظر كثير من الناس النظرة نفسها لأبراج دبي و أبراج نيويورك، نظرة على أساس أن كل منها هي انجازات مهندس عبقري،ولو اختلفت في التصميم و طريقة البناء و زمن التشييد فهي في النهاية تحف هندسية. لكن في الواقع البون بينهما شاسع ،و للأسف هو غير ملاحظ عند كثير من الناس حتى عند كثير من المفكرين آو على الأقل عند كثير من المثقفين.

يكمن الفرق في سبب البناء، حيث انه ما بنيت أبراج نيويورك إلا لأجل مبدأ ساد في أمريكا مبدأ قبلته الأنفس و اعتقدته و أمنت به وهو مبدأ الرأس مالية حيث أن تلك الأبراج هي انعكاس مادي للفكر الرأس مالي الذي تقوم عليه أمريكا وهو ليس مجرد نظام اقتصادي بل إن جمع المال و تضخيم الثروة هو المبدأ الذي تقوم عليه حياة الأمريكي. أما أبراج دبي فقد بنيت ليجد فيها الإماراتي مبدأ ؟؟

أخذنا أبراج دبي فقط على سبيل المثال لعلوها و شهرتها لأنه في الحقيقة كل المسلمين اليوم إلا قليلا يظنون أن أشكال الحضارة تقدم مبادئ الحضارة.

المسلمون اليوم مزقا و طرائق قددا لا تجتمع لهم كلمة ولا يسمع لهم صوت و لا ينتصر لهم مبدأ لأنهم أصلا يعشون من دون مبدأ. إن انبهار المسلم اليوم بحضارات الغرب و الشرق ألقى على قلبه و بصره غشاوة فلم يعد يرى أن الأمم تبني ما تبني و تصنع ما تصنع لتحمي و تنشر مبادئ الحضارة، وليست تشيد البنايات و تجهز القاعات ثم تجلس بها لصياغة المبادئ و الهويات؟

كان أول ما قام به النبي صلى الله عليه و سلم بعد الهجرة إلى المدينة أن آخى بين المهاجرين و الأنصار أي انه عمل أولا على ترسيخ مبدأ أخوة الإسلام، فأخوة الدين مقدمة على أخوة الوطن و النسب هذا ما يحث عليه الإسلام و هذه هي مبادئه.

ثم بنا النبي المسجد بعد ذلك لتؤدى فيه العبادات و لتطرح فيه الأفكار و تناقش الآراء و يبحث المسلمون على وسائل بناء حضارتهم و حماية مبادئهم وما كان للوحي فهو للوحي وما كان لرأي فهو للرأي. هكذا انطلقت حضارة المسلمين الأولى ترسيخ المبدأ أولا.

و لهذا فان قوة و عظمة الحضارة تقاس بقوة المبدأ و ثبات أصحاب المبدأ ولو لم يكن لها كثير تشييد و إعمار’ فقد كان بناء أشكال الحضارة على عهد عمر رضي الله عنه قليلا جدا لدرجة انه كان ينهى المسلمين أن يبنوا مالا يسكنوا رغم ذلك خضع لأمير المؤمنين ملوك الفرس و الروم و بلغت حضارة الإسلام ذروتها في زمن خلافته و السبب في ذلك قوة المبدأ و قوة الثبات على المبدأ.

أما المسلمون اليوم فكلما زادت انجازاتهم لأشكال حضارة غيرهم زاد تخليهم عن مبادئ حضارتهم أي أننا في الوقت الذي نظن أننا نبني حضارة فإننا نهدم ما بقي لنا من الحضارة.

محمد بن عيسى

Comments are closed.