مركز “العلا”.. الملاذ الأخير للأطفال المصابين بالتوحّد في الكاميرون

في هذا اليوم، الخميس 2 أبريل/ نيسان، الذي يحيي فيه العالم يوم المصابين بالتوحّد، يذكّر هذا المركز بأنّ 3 آلاف طفل يعانون اضطرابات سلوكية أو ما يعرف بمرض التوحّد، يولدون سنويا في الكاميرون

المشرف
المشرف

فكتور وغلين وماييل ولويك وسيمون.. مجموعة من الأطفال المصابين بمرض التوحّد، أو ما يعرف باضطراب النمو العصبي الذي يتصف بضعف التفاعل الاجتماعي، والتواصل اللفظي وغير اللفظي، وبأنماط سلوكية مقيدة ومتكررة.. هم كغيرهم من طلاّب مركز “العلا’، بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، والذي يعدّ مدرسة متخصّصة تستقبل الأطفال المصابين بمرض التوحّد.

الفصول الدراسية في هذا المركز لا تضمّ أكثر من 5 إلى 8 تلاميذ على أقصى تقدير، وأنشطتهم عادية إلى أبعد الحدود، حتى أنّه من الصعب اكتشاف خصوصية المكان من الوهلة الأولى، وما يصنع الفارق هو فقط الإحاطة والتأطير المتخصّص، والذي يقع اعتماده وفقا للنمو العقلي لكلّ واحد من أولئك الطلاّب.

مركز “العلا’ للأطفال المصابين بالتوحّد يستقبل، في الوقت الراهن، 60 طفلا تتراوح أعمارهم بين الثالثة و16 عاما، بحسب مديرة المركز، ليلي وونكام، والتي أوضحت أنّ طلبات الالتحاق بالمركز أكبر من هذا العدد بكثير، فـ “في كلّ عام’، تقول، “أقابل حوالي 400 طفل مصاب بالتوحّد، قادمين سواء من دوالا (العاصمة الاقتصادية للبلاد/ الساحل)، أو من بافوسام (غرب)، وباموندا (الشمال الغربي)، وغيرها من المدن الكاميرونية، بل إنّ بعض الآباء يأتون خصّيصا من الغابون رفقة أطفالهم’.

التوحّد، هذا المرض الذي يتجلّى من خلال الاضطرابات السلوكية التي تطرأ على الأطفال، وغالبا ما يصيب الذكور منهم أكثر من الإناث، يقضّ مضجع الكثيرين في الكاميرون. وعموما، تظهر علامات هذا المرض على الطفل انطلاقا من سنّ الثانية أو الثالثة، حيث يشعر والداه بأنّ صغيرهما مختلف عن بقية الأطفال في سنّه.

مديرة المركز، وهي أيضا أخصائية في النطق، أوضحت للأناضول أعراض هذا المرض قائلة: “في هذه السنّ، يمكن للأطفال النطق بجمل قصيرة، أو مناداة والديهم، أو حمل شيء ما أو القدوم حين مناداتهم. وفي معظم الأحيان، يتنبّه الوالدان إلى أنّ صغيرهما لا يتمكّن من تطوير لغته كما هو الحال بالنسبة للأسوياء، وهذا ما يمكن أن يتجسّد من خلال ملازمة الصمت من قبل الطفل، وعدم السعي نحو التعبير عن نفسه، كما أنّه يعجز عن تنفيذ التعليمات البسيطة التي يتلقّاها’، لافتة إلى أنّ ما ذكرته يشكّل البعض، أو الأعراض الأكثر شيوعا، وأنّه بالإمكان ملاحظة أعراض أخرى.

غاييل أوندوا، مدرّسة متخصّصة، قالت، من جانبها، إنّ الطفل المصاب بالتوحّد يمكن أن يكون عنيفا سواء تجاه نفسه أو الآخرين، وقد يحدث وأن يسبب آلاما لنفسه، كما يعرف من خلال حركاته المتكرّرة. وفي ظلّ غياب تشخيص واضح لمثل هذا السلوك، فإنّ سكان الكاميرون غالبا ما يفسّرونه بالسحر، مضيفة، في تصريح للأناضول،  أنّ “هنالك من الوالدين من يخجل بأبنائهم المصابين بالتوحّد، ولذلك يفضّلون إخفاءهم في المنزل، وهذا النوع من الأطفال يكبر دون الحصول على تشخيص واضح لمرضه ودون تأطير’.

نقص الدراية بأعراض وتفاصيل هذا المرض الكائن في المنطقة الوسطى بين الأمراض العضوية والنفسية، أفرز حوادث اجتماعية عديدة. إيفيت ن. أمّ لطفل مصاب بالتوحّد، قالت للأناضول إنّ “عائلة زوجها قاموا بطردها من منزلها، لأنّها رأت أنّ ابنها مصاب بسحر سرت عدواه إليه منها’.

وأضافت بلهجة متقطّعة: “استشرت العديد من الأطباء المتخصّصين، ولا أحد منهم تمكّن من معرفة المرض الذي يشكو منه ابني، ثمّ اضطررت لزيارة المرابطين (المشعوذين)، وقابلت الكهنة، وقمنا بعشرات الحصص لطرد الأرواح، لكن دون جدوى. إثر ذلك، كان عليّ التوجّه إلى نيجيريا وحتى بنين لملاقاة كهنة الفودو (ديانة غير سماوية)، ولكن جميع جهودي لم تثمر عن نتائج إيجابية’.

وضع طفلها البالغ من العمر 10 سنوات لم يتغيّر إلاّ حين قرّرت، أخيرا، اصطحابه إلى مركز “علا’ المتخصّص، فلقد “أصبح أكثر هدوء، وبعض الكلمات أضحت تتدفّق من حين لآخر من فمه.. أصبح يعرف كيف يقول صباح الخير، وشكرا، وأريد أن آكل.. أنا أيضا تعلّمت كيفية الاهتمام به، والأهمّ، أصبحت أدرك معنى ردود أفعاله’.

الآباء عادة ما يقررون زيارة مركز “العلا’ في نهاية رحلة طويلة بين المعالجين الروحانيين والمشعوذين وغيرهم. ومجيئهم لا يحمل في طياته الكثير من الأمل، بل إنّ بعضهم يأتي مكرها أو من منبع القيام بأمر ما إتّقاء لوخز الضمير كلما نظر إلى صغيره المريض.

مديرة المركز عادت على الجزئية الأخيرة قائلة: “أولى علامات الارتياح تبدأ بالظهور على وجوه الآباء حين يحصلون، أخيرا، على تشخيص للمرض الذي أقضّ مضاجعهم’، لافتة إلى أنّ مركز “العلا’ يقوم دوريا بتنظيم حلقات توعوية للآباء، لمساعدتهم على فهم وتقبّل المرض الذي يصيب أبناءهم، بما يمنحهم القوة اللازمة لمواجهة مخاوفهم، وتعلّم سبل التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحّد.

ووفقا لوزارة الصحة العامة في الكاميرون، يولد حوالي 3 آلاف طفل مصاب بالتوحّد سنويا في البلاد. وهذا المرض لا يزال غير معروف بشكل كبير، ما قد يفسّر غياب الإحصائيات بخصوص الأشخاص الذين يتعايشون مع هذا المرض في البلاد. كما أنّ تشخيصه يعدّ من المسائل الصعبة، نظرا لعدم وجود متخصّصين، خصوصا وأنّ المختبرات الكاميرونية لا تجري الإختبارات الجينية.

مركز “العلا’ الذي أنشئ منذ 2008، يعدّ 18 مدرّسة من ذوات التكوين الأكاديمي العادي في مجال التدريس، غير أنّهن إستطعن إكتساب بعض التخصّص من خلال الحالات التي ترد عليهن في المركز. وونكام، أخصائية النطق التي تدرّبت في بلجيكا، وفي رصيدها خبرة سنوات طويلة من الإحاطة بالأطفال المصابين بالتوحّد في هذا البلد وفي سويسرا، قبل أن تقرّر العودة إلى الكاميرون والإستقرار، قالت إنّ بعض الآباء يصرّون على إرسال أبنائهم المصابين بالتوحد إلى المدارس العادية، ولا يتوقّفون عن ذلك إلاّ حين يعجز الطفل كلّيا عن الذهاب إليها، إمّا لأنّ المدرسة إستبعدته أو أنّه لا يمكنه إحراز تقدّم.

رعاية هؤلاء الأطفال مهمّة صعبة للغاية، والفصول المدرسية لا ينبغي أن يتجاوز عدد طلّابها الـ 8 على أقصى تقدير، وحين تكون الإضطرابات بالغة، فمن الضروري أن لا تتعدّى الـ 5، وكلّ صفّ يكون وجوبا مرفوقا بمدرّستين إثنتين. كما يتعيّن توفير معدّات تعليمية من الصعب توفّرها في الكاميرون، كما أنّه لا توجد مدارس لتكوين المدرّسين المتخصّصين، بل لا توجد حتى مدارس حكومية متخصّصة ومؤهّلة لإستقبال هذا النوع من الأطفال، والمدرستين الوحيدتين في كلّ من ياوندي ودوالا تندرجان ضمن القطاع الخاص.

أسباب عديدة تظافرت لحرمان الأطفال المصابين بالتوحّد من حقّهم في نيل نصيبهم من التعليم، ومركز “العلا’ يظلّ المؤسّسة الوحيدة، في ياوندي وضواحيها، التي تمنح هذه الفئة فرصة التعلّم وتحدّي مرض إتّفق المختصّون على صعوبة وحساسية التعامل معه.

Comments are closed.