مستقبل فلسطين في الثورات العربية

المشرف
المشرف

عبد العالي رزاقي

هاهي الثورات العربية تدخل عامها الثالث محفوفة بالمخاطر، ومحملة بهموم أصحابها وانشغالات مواطنيها، وركام أعباء النظام السابق، فأي مستقبل لفلسطين في هذه الثورات؟

 

الشك واليقين

 

أغلب النخب العربية ما تزال تشكك في جدوى تغيير نظام “ديكتاتوري’ بنظام “ديني’ وتطعن في عملية الاحتكام لصناديق الاقتراع بحكم أنها لا تستطيع أن تنجب لنا “حاكما ديمقراطيا’ أو “حُكما توافقيا’.

 

ويحاول الكثير زرع هاجس الخوف من التيار الإسلامي لأن مرجعيته في الوطن العربي هي المرشد العام مثلما كانت السلطة التنفيذية مرجعيته في الأنظمة السابقة. ويعمل المعارضون للثورات على تعبئة الشارع ضد “منتوجها السياسي’ وتحريك “العسكر’ على الحكم القائم والدعوة إلى مقاطعة الصناديق أو العصيان المدني لإسقاط هذا النظام الجديد بالرغم من أنه لم يستكمل عهدته.

 

ويستند هذا التيار الليبرالي المعارض للتيار الإسلامي إلى الأخطاء التي ارتكبت خلال العامين السابقين في تونس ومصر وليبيا واليمن وما يجري حاليا في الساحة السورية، فهناك عامل مشترك بين هذه الثورات العربية هو افتقادها للأمن وعدم توفر أدنى الخدمات للمواطنين وبطء الانتقال من الدولة الوطنية إلى الدولة المدنية.

 

ويعتمد هذا التيار على تخويف المواطنين من حكم الإسلاميين الذين جاؤوا عن طريق صناديق الاقتراع، زاعمين أنهم يريدون البقاء مدى الحياة في السلطة متعطشين للسيطرة والانفراد بالحكم وإبعاد الأصوات المعارضة لهم، في حين يحاول التيار الإسلامي التمسك بحقه في استكمال العهدة ويطالب بالاحتكام مرة أخرى إلى الصناديق.

 

ففي تونس تم وضع رئيس الحكومة السابق كأول احتياطي للرئاسيات القادمة وفي مصر يخاطب الرئيس محمد مرسي مواطنيه ليلا في الوقت الذي يطالبهم فيه بالنوم باكرا.

 

.

 

فلسطين الغائب الحاضر

 

يتفق التيار الإسلامي مع التيار الليبرالي على استغلال الشارع وتحويل المواطنين إلى “رهينة’ فالسلطة تتهم المعارضة بأنها تعرقل عملها في حين تتهم المعارضة السلطة بأنها تريد تمديد فترة حكمها.

 

وإذا كانت السلطة والمعارضة تستغلان الوضع القائم لفائدة كل منهما فإن المواطن بدأ يشعر بأنهما أكثر خطرا على حياته من النظام السابق، لأن كليهما يريده الضحية. والحق يقال إن الثورات العربية ما تزال تحبو ولكنها لا تستطيع أن تمشي مادامت قدماها تشلهما المعارضة والسلطة، حيث لا تجلب لهذا المولود الجديد سوى المتاعب.

 

لكن هناك حقيقة يجب الاعتراف بها وهي أن من يتولى تسيير الحكم في هذه الثورات لن يتمتع بالسلطة لأنه سيكون مجبرا على الاستجابة لحاجيات المواطنين وضمان الأمن والاستقرار للبلاد.

 

وإذا كانت فلسطين في خطاب الحكام العرب على مدى ستين سنة محورا أساسيا فإنها في خطاب الحكام الجدد تكاد أن تغيب فهي حاضرة في المناسبات ولكنها غائبة في الواقع، وحتى الآن لم تصدر حكومة من حكومات الثورات بيانا ضد الاستيطان الصهيوني والاغتيالات اليومية في فلسطين المحتلة وكأن الهم العربي المشترك وهو هذه القضية بات مفقودا حتى في قنوات القطاع العام والخاص وأصبح الشعب الفلسطيني في ظل هذه الثورات هو الضحية الأولى قبل مواطني هذه الثورات، ففي عهد الراحل صدام حسين كان الفلسطينيون يشكلون حاجزا بينه وبين الأغلبية الشيعية المحتجزة لدى النظام، وعندما قامت أمريكا بإسقاط هذا النظام استعمل النظام الشيعي الجديد الفلسطينيين دروعا بشرية لمواجهة غضب الأقلية وللتشويش على المقاومة، واليوم تتعرض المخيمات الفلسطينية في سوريا إلى التدمير من قبل النظام والمعارضة المسلحة وكأنه على شعب الشتات أن يكون مع هذا الطرف على حساب ذاك.

 

والرهان الفلسطيني على مصر لتحقيق المصالحة دون فتح المعابر إنما هو رهان على تغليب حركة حماس على حركة فتح بعد أن كان الطرفان في عهد النظام المصري السابق يتصارعان على تقسيم فلسطين وليس على توحيد المقاومة والسلطة لتحريرها.

 

ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمستقبل الثورات في الوطن العربي لأنها تواجه ردة النخب ومحاولة الغرب احتواءها وتجاهل قياداتها لفكرة تقاسم السلطة بين أبنائها، وهذا التوجه الجديد للثورات جاء عبر خطاب ديني غير مقنع ومعارضة معادية لاختيارات الشعب، فالضحية في هذه الثورات هو الشعب والمستفيد منها هم بقايا النظام السابق ومن يصطادون في الوحل.

 

ومهما كانت سلبيات هذه الثورات فإنها استطاعت أن تفتح أملا لجيل جديد فقد الأمل في جيلنا، فهل يستطيع هذا الجيل أن يقودها إلى بر الأمان؟
المصدر: جريدة الشروق الجزائرية

 

Comments are closed.