مشكلة وأزمة التحديث في الوطن العربي.. الإخفاقات والتراجعات

بقلم الدكتور عبد الله بن علي العليان

عبد الله العليان
عبد الله العليان

لا تزال مسألة الحداثة والتحديث في الوطن العربي تحتاج الى مناقشة مستفيضة وجادة لهذه القضية الهامة في مسيرة امتنا العربية ونهضتها ، ولماذا صاحب هذا المشروع  النهضوي العربي الإخفاقات والتراجعات منذ قيام الدولة( القطرية) الوطنية بعد الاستقلال وحتى الآن،  فالبعض يرى أن الحداثة لا تستوطن هكذا بمجرد الاستيراد من خارج البيئة الفكرية، وتجاهل مجمل الظروف والاشتراطات الأخرى التي تؤسس لهذا المعطى بمعطياته المتفاعلة مع محيط الإنساني، ذلك أن التحديث عبارة عن تراكم كمي وكيفي في مساره الانطلاقي إلى التقدم المنشود، والنهوض من هذا المنطلق عملية مستمرة لايمكن أن تتفاعل إلا من خلال مخزون قيمي داخلي يحرك الساكن الذاتي ويتجاوب معه انطلاقا من ثقافة المجتمع، ومن الشروط الدافعة لانجاحه،وهذا لايتاتى إلا من عوامل كثيرة في مسيرة الأمم المتقدمة

ويرى الباحث محمد محفوظ أن في كتابه ’ الإسلام والغرب وحوار المستقبل’ أن هذا التحديث الذي نامله وننشده لا يمكن أن ينبثق إلا من جملة من “التطورات في مختلف المجالات والجوانب ، بحيث يصل المجتمع إلى مستوى الدخول في عالم الحداثة ومتطلباته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية . ولعل الخطيئة التاريخية الكبرى التي وقعت فيها الكثير من البلدان العربية والإسلامية ، حينما تعاملت مع الحداثة ، باعتبارها مجموعة من السلع والمواد التي يمكن استيرادها من موطنها الأصلي.

فالخطيئة أوهمت الكثير ، وجعلتهم يلهثون وراء عمليات الاستيراد للسلع الموصوفة بالحديثة، كما يشير  دون أن يبذلوا جهوداً حقيقية في سبيل استنهاض القدرات الذاتية في المجتمع ، للوصول إلى مراحل متقدمة في التطور الإنساني.

إن الحداثة كمرحلة يبلغها الاجتماع الإنساني ، بحاجة إلى توفير الشروط الثقافية والاجتماعية لبلوغها .إذ لا تتم التطورات الاجتماعية صدفة ، أو بدون توفر مقدماتها . وإنما هي بحاجة إلى توفير كل العوامل والشروط التي تؤهل الاجتماع الإنساني إلى بلوغ عالم الحداثة.

من هنا فإن الحديث عن الحداثة وضرورتها وثمارها العامة ، دون توفير مقدماتها وشروطها الاجتماعية ومناهجها الثقافية ، يعد جهداً ضائعاً ، أو في أحسن الحالات لا يوصلنا إلى مرادنا العام.

إن مشروع الحداثة ، لا ينجز في الساحة الاجتماعية ، إذا لم تتوفر ثقافة تدعو إليه ، وتوضح سبل الوصول إليه ، وإذا لم يتوفر الوعي الاجتماعي المناسب ، الذي يحتضن كل المناشط التي تصب في هذا السبيل ، ويضاف إلى كل ذلك ،وجود روح معنوية رفيعة لدى أبناء المجتمع ، بحيث ينطلقوا منها لاستيعاب التطورات  وتجاوز العقبات ، وصناعة المنجز الحضاري. فلم تعد أشكال الحضارة وسلعها الصناعية والتكنولوجية ، محصورة في المجتمعات والأمم ذات التقدم العلمي والصناعي الهائل ، بل أصبحت متوفرة في الكثير من المجتمعات والأمم بصرف النظر عن درجة تقدمها العلمي وتطورها التقني.

من هنا وحتى لا تكون علاقتا بهذه الأشكال والسلع ، علاقة شكلية ولا تتعدى الاستفادة المادية منها ، دون الاستفادة من الخلفية الثقافية والحضارية ، التي أنتجت تلك الأشكال والسلع . من الضروري أن نحدد طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المواطن العربي بسلع الحداثة وأشكالها ، حتى نضمن تناغماً محموداً وفاعلية دائمة في علاقة المواطن العربي بسلع الحداثة،ولكي نتمكن كمواطنين عرب من الاستفادة القصوى من هذا التقدم العلمي والتكنولوجي في شكله المؤسسي.

ويعتقد أن هذا الجانب الهام في حياة الأمة لم تعالج بصورة جيدة تطرح المسألة من جانبها العلمي الرصين لا من الجانب النظري البحت حتى يمكننا العثور على الأسباب الكامنة لتعثر هذا المشروع الحيوي

ومهما تعددت الاتجاهات النظرية كما يقول الباحث التي تعالج هذه المسألة في الواقع العربي والإسلامي . فالحداثة ـ في رأيه ـ تعتبر “اتجاهاً تصاعدياً باتجاه الرفاه والرخاء الاقتصادي والاجتماعي . والتحديث تعميم لمؤشرات هذا الاتجاه الكمية والشكلية.ولعلنا إذا تأملنا في مدارس التنمية المتبعة في العالمين العربي والإسلامي , نكتشف مدى الفرق , بين اتجاه التصاعد النوعي في عمليات التقدم والتطور , واتجاه المؤشرات الكمية التي تبحث عن أرقام وحسابات وشكليات تنموية , دون توفير أسباب التنمية الاجتماعية والثقافية فالخلط بين مفهومي الحداثة والتحديث , وإيجاد المساوقة النظرية بينهما , أدى على المستوى العملي والاجتماعي , إلى الخلط بين النمو والتنمية . وبهذا ضاعت البوصلة النظرية , الموصلة إلى الغاية الاجتماعية الحقيقية. ولابد أن نلاحظ إن فكرة النمو والمؤشرات الكمية , علاوة على كونها استتباعاً لفكرة التحديث المناقضة لمشروع الحداثة في التجربة العربية , فقد أدخلت العالمين العربي والإسلامي في مشاريع استهلاكية ضخمة , دون مردودات إنتاجية بالحجم المطلوب , وأصبحت الدول العربية تتسابق مع بعضها البعض , حول اقتناء بعض شكليات الحداثة ,وتحولت المعركة الاجتماعية والسياسية , من معركة التنمية إلى معركة النمو , ومن معركة النهضة إلى معركة الحداثة والتحديث.

ويناقش الكاتب زكي الميلاد هذا الأمر من الزاوية الفكرية والثقافية،لكنه يتناولها من الاتجاه الاجتماعي واثره على التخطيط والبرمجة التي ساهمت بدورها في تشويه التحديث نفسه وتأسيسه فوقيا بدلا من طرحه بصورة جادة وعلى المستوى الذي يناقش على الجميع ومن الزاوية العامة ومصلحة المجتمع عموما، فالمجتمع الذي لايدرك “فلسفة التقدم على قاعدة الحداثة ، هل يمكن أن يندفع ويشارك في صنعه ؟ وأي تقدم هذا الذي لا يشارك المجتمع في تحقيقه ؟‍‍‍‍‍ والحداثة التي تطرح نفسها على أنها خطاب التقدم ، تحولت من إشكالية ترتبط بالتغيير الاجتماعي أو التقدم الاجتماعي ، إلى إشكالية فكرية فلسفية ، محيطها النظريات والأفكار وليس الواقع وتلقي بتبعات الفشل على الأمة التي لا تقبل أن تخرج عن تقاليدها وتمسكها بالماضي

قضية التحديت أو الحداثة بصفتها صيرورة تاريخية في مسيرة الثقافات والحضارات, لابد من  التعامل معها من المنظور التاسيسي والبنائي. وهذا بدوره يتطلب الاستيعاب الكامل  لمبادئ إنتاجها وإدراك أهميتها الحضارية من اجل النهوض والتطور، أما مسالة استجلاب منتجات الحداثة واستهلاك ما يأتي من الخارج،ونعتقد أننا دخلنا في الحداثة والتحديث، فإننا بهذه النظرة سنبقى عالة على الآخرين ومن ثم تحت الهيمنة والضغوط والتأخر، ولذلك فان الطفرة النفطية الحالية عند بعض دولنا تجعلنا نطالب ونشير لأهمية إعادة النظر في قضية التحديت والتصنيع والتأسيس لبنية علمية وفق ما نستطيع ،والتعامل مع الأمر بصورة جادة وأولوية مهمة على قضايا أخرى اقل أهمية في ظرفنا الراهن.

Comments are closed.