مصر: “استدعاء” العنف!

netpear
netpear

دخلت مصر حالا مخيفا من العنف الذي يرجح أنه يستدرج عنفا مضادا. نعم التقدير اليوم هو أن هناك ما يمكن أن نسميه: “استدعاء العنف’. وهذا الاستدعاء نراه على الأقل من زاويتين: الأولى هي لجوء السلطة الحاكمة إلى الاستخدام المفرط للقوة لحسم صراع سياسي عميق. الثانية هي هذا التحريض الإعلامي المنظور بشكل واضح والذي يعمل بشكل سافر على تصوير أن الاحتجاجات خرجت عن سلميتها، والتحريض على استخدام ترسانة من المصطلحات من أجل تكريس صورة “عنف إرهابي” لا بد من مواجهته “بعنف سلطوي”.
نعم السلطة في مصر تبدو وكأنها خسرت المعركة السياسية وتعمل على نقل الصراع إلى مجال آخر تتصور أنها قادرة على الانتصار فيه وهو مجال العنف والعنف المضاد. خطاب التبرير، حتى إن كانت تنشره ترسانة من الأدوات الإعلامية، صار واضحا بل صار بتركيبته وإيحاءاته المتسرعة وغير المقنعة يشكل مشكلة سياسية أخرى لأنه تحول لـ’استدعاء العنف’ مبررا لاستخدام “العنف’.
هذا الوضع خلق مشكلات كبيرة أخرى أدخلت مصر حالا من المواجهة غير السياسية. فالمؤسسة العسكرية والأمنية لجأت إلى استخدام الأدوات الأكثر عنفا، وكان عدد ضحايا هذا العنف كبير جدا ومقرف جدا ومخيف جدا، وأضراره من الصعب حصرها آنيا ومستقبليا.
نعم المتضرر الأول هو سمعة المؤسسة العسكرية المصرية، والمتضرر الثاني هو التيارات المعارضة لتيار الإخوان المتحالفة معها، والمتضرر الأساسي هو العمل السياسي وهو الديمقراطية. نعم ذلك سوف يستبعد كل حل ديمقراطي لمدة زمنية قد تكون طويلة.
لقد ثبت أن منطق المصالح واحد في كل بلدان المنطقة، وثبت أن السيناريو واحد دائما وأن النتيجة هي “استدعاء العنف’ وتحريك الآلة الإعلامية بشكل تبريري رديء باتجاه “إنشاء!’ حال عنف وإرهاب. ومع ذلك ينبغي القول بالكثير من الواقعية السياسية: هناك في كل الأحوال فرق شاسع ينبغي أن يعيه الإخوان، بين شرعية الانتخاب وشرعية الاستمرار، خاصة مع غموض الخطاب وتوجهات الاحتكار وأخطاء الإدارة.
وهناك فرق بين الشعارات وبين معطيات الواقع، وهناك فرق بين استراتيجية الوصول إلى السلطة وبين القدرة على إدارة شؤون دولة وقواها والمصالح المتناقضة فيها. وهناك فرق بين أن تسمح لك قوى داخلية وخارجية أن تحكم وأن تسمح لك بأن تطبق ما تريد وأن تخطئ كما تريد. نعم في السياسة عليك انتظار أن تدفع الثمن، ليس بالضرورة بعد انتهاء العهدة الانتخابية ولا ينفع التحجج بأي ضوابط أخلاقية.
نعم ينبغي الانتباه وعدم التوقف فقط عند الاعتبارات المبدئية. ثبت اليوم بالخصوص أن هناك فرقا شاسعا بين السلطة الظاهرة وبين السلطة الفعلية، بين السلطة الحاكمة وبين الدولة العميقة وقواها ومنطقها وآليات عملها، باعتبارها محصلة تفاعلات معقدة داخلية وخارجية.
ولكن المهم هو ما يمكن أن تسفر عنه هذه الأزمة، فهل تلجأ السلطة لحل “جماعة الإخوان’ ومنع حزبها، وفي ذلك “استدعاء للعنف’ والتطرف ودفع المكون الأكثر تطرفا للتخلص من السياسي في التنظيم؟ وهل يمكن للمؤسسة العسكرية الأمنية أن تفرض الاستقرار؟ وهل ما زال هناك إمكانية لبدائل أخرى غير “استدعاء العنف’؟
مشكلة المؤسسة العسكرية المصرية أنها تستند لقوى سياسية توصف بالفاشلة ولا تملك إلا قاعدة اجتماعية محدودة وغير منظمة، واللقاء بينهما لقاء مصلحة و/أو لقاء خضوع. وذلك لا يقدم أي خدمة للفعل السياسي الديمقراطي ولا للحداثة السياسية ولا لدولة المواطنة. فهل يمكن القول إن المؤسسة العسكرية، وهي “تستدعي’ العنف وتمارسه، تعمل على إنقاذ الديمقراطية؟ وهل قدر الديمقراطية في بلداننا أن تستند لقوى غير ديمقراطية، عسكرية أو إسلاموية؟ هل يمكن إنقاذ الديمقراطية أو اعتمادها مبررا من أجل فرض الاستبداد؟ وهل يمكن لقوى ديمقراطية أن تبرر “استسلامها للأساليب العنيفة’ أو التحالف معها من أجل الانتصار على الخصم السياسي؟ الذريعة غير مقنعة.
من ناحية أخرى واضح أن كل توجه إلى العنف، وهناك تقدير، له ما يبرره، أن جماعة الإخوان تختزن رصيدا كامنا من الميل إلى العنف في ممارسة “المغالبة’، يشكل كارثة سياسية ثقافية ومعنوية، فضلا عن كونه توجها خاسرا ومكلفا. هل من الممكن انتظار بروز بدائل أخرى في المدى المنظور؟ وهل يمكن لقوى سياسية غير السيسي وجماعاته والإخوان، البروز في الساحة والتمكن من “توفير بديل’ يرضي جل الأطراف الفاعلة في الداخل ولا يزعج الخارج؟
عن “الخبر’ الجزائرية

Comments are closed.