مصر: الخلط بين الإعلام والكلامولوجيا

netpear
netpear

منذ بداية الأحداث في مصر يوم 30 يونيو/جوان 2013 اهتم الطرفان المتخاصمان بالإعلام بشكل متزايد وكان أول ما فعله الجنرال السيسي القابض على الأمور بغلق فضائيات تابعة للطرف الآخر، فقدم له خدمة كبيرة إذ أن المظلومية في هذا العصر الدولي الذي يتشدق بالديمقراطية تكون مسموعة عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير.. ولم يتوقف خطأ الجنرال عند هذا الحد من إظهار قوته التي استفاد منها خصمه، بل راح يستنجد بمجموعة الكلامولوجيا من أولئك الذين لا يعرفون من الإعلام سوى لغة الردح والكلام البذيء، فطال نباحهم حتى البرادعي عراب 30 يونيو/جوان الذي استقال ولم يفهموا لماذا استقال، إذ لبس لديهم من العقل الإعلامي أو العقل السياسي ما يؤهلهم لفهم الدنيا خارج مفهوم الارتزاق، وكذلك استعان الجنرال السيسي المتورط بطموحاته وارتباطاته بجنرالات مهزومين سواء على رأس المحافظات أو عبر وسائل الأعلام وتبين أنهم لا يفهمون شيئا في كتاب الحرب سواء حرب المدن أو فض الاعتصامات.. فكررت ما كنا نشاهده في عهد مبارك من سلوك فظ لا فرق فيه بين البلطجة والعمل العسكري وبالتالي كانوا يتحدثون في وسائط الإعلام كما يتحدثون مع جنودهم.
وبالمقابل فإن جماعة الإخوان المسلمين تمكنت من إصابة قوات السيسي إصابة بالغة حين جرتها إلى فض الاعتصامات بالقوة وفقد هذه القوات أعصابها منذ اللحظات الأولى فعلا بحضور فضائيات العالم، التي لم تتمكن -رغم انحيازها السري للسيسي- من إخفاء الحقيقة على مراجعها العليا في بلادها فتهاطلت الإدانات الدولية على النظام لتؤكد خسارته المعركة الإعلامية لأنه لم يفرق بين الأعلام والكلامولوجيا .
وفي لغة التحليل السياسي، يعرف المحللون السياسيون أن العبارة التي ترد بعد نعم ولكن، هي عبارة استدراكية كاذبة صاحبها فاقد للحجة، وقد أكثر السياسيون والإعلاميون في منظومة السيسي من عبارة: نعم للمصالحة ولكن ليس مع من تلوثت يده بالدماء.. وتبدو حكاية التلوث بالدماء تهمة مبرمجة، فالسيسي حين طلب التفويض من متظاهري ساحة التحرير قال إنه يريد تفويضا لمحاربة الإرهاب المحتمل، أي أنه لم يكن الإرهاب موجودا حتى تلك اللحظة، وفي فض الاعتصامات سواء بالميادين أو بالمساجد لم يظهر لنا الإعلام المؤيد للسيسي سواء مصريا أو عربيا أو دوليا كميات وأنواعا وأعدادا من الأسلحة يمكن للجمهور أن يقتنع بأن أصحابها من أهل الإرهاب.. وهذا يعني أن تعريف الإرهاب عند السيسي يعني الخصومة السياسية وليس هو الإرهاب الذي يعرفه العالم ..
وإذا كانت القاعدة الإعلامية تقول: أعطني سياسة أعطيك إعلاما، باعتبار أن الإعلام هو جزء من اللوجستيك السياسي، تظهر هنا ضحالة العقل السياسي للجنرال القابض على الأمور في مصر ومساعديه مثل الناطق الرسمي باسم الحكومة الذي تخبط في وصف الحالة التي تمر بتا مصر: حرب، حرب استنزاف، إرهاب.. إلخ. وضحالة العقل السياسي للجنرال تتجلى أمام الناس ساعة بعد الساعة، فهناك إلحاح إعلامي على أن حكومة الببلاوي ستقوم بحل جماعة الإخوان المسلمين.. أي أنه سيحل جماعة قضت معظم عمرها في مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي البالغ ثمانين عاما وهي تعمل بلا ترخيص ومع ذلك فهي تفوز بأية انتخابات فيها رائحة نزاهة.. فهل قراره بحلها يخدمه أم يخدمها؟
واللافت في هذه الحرب الإعلامية الدائرة في مصر السكوت غير المعتاد من طرف حمدين صباحي زعيم التيار الشعبي الناصري الواقف مع السيسي والجيش. وهذا السكوت من الناصريين الأكثر عداء للإخوان المسلمين والأكثر التصاقا بالجيش ينبئ عن رداءة سياسة وخلافات في كواليس تحالف السيسي ويعني أن الإخوان المسلمين سجلوا انتصارا تاريخيا على عدوهم الناصري خاصة وأن حكيم ابن جمال عبد الناصر لم يؤيد الجيش في استعمال السلاح، وأطلق نداء “وفِّر دمَكَ للحرب مع الصهيوني..’ وهذا شعار قد يجلب مؤيدين له داخل الجيش ويحقق لحمدين صباحي خسارة في الجيش بعد أن خسر فرصة التصالح مع الإسلاميين حين رفض تعيين مرسي له كنائب لرئيس الجمهورية. فإذا كانت مصر قد تخلصت كما يقول إعلاميو السيسي من حكم جماعة إرهابية.. فهل وقعت في حكم رداءة سياسية لا تعرف كيف تدير لسانها ولا تعرف الفرق بين الإعلام والكلامولوجيا… فإلى أين يا مصر؟
عن يومية “الشروق’ الجزائرية

Comments are closed.